ي طه
03-02-2006, 09:47 PM
يجذبنا عبيدو باشا إلى عالم ذكرياته المفعم بالأحداث والأفكار والتغيرات، في كتابه اللذيذ، الغني، "موت مدير مسرح: ذاكرة الأغنية السياسية"، الصادر أوائل العام الماضي، قبيل الأحداث التي مر بها لبنان منذ استشهاد الرئيس الحريري.
عبر طرق عدة، مستقيمة مرة، متعرجة مرات، يجول بنا الناقد في الأجواء اللبنانية عامة، لكنها طرق مليئة بالمطبات، والخنادق، والحفر، وقليلاً ما نجد أثناء تجوالنا معه طرقاً معبدة أو ظلالاً وارفة، ذلك أن الأغنية السياسية ولدت في ظروف شهد فيها لبنان احتقانات فكرية، سياسية، اجتماعية وإيديولوجيات بدأت تستحكم أو تتحكم في شباب جعلته ينمو على جمر بركاني يكاد ينفجر.
وفي أسلوب يقترب أحياناً من اليوميات يتفكه أو يتندر بها رغم خطورة بعضها، تشدّ القارىء مهما اختلفت ثقافته، أو وعيه، لكنها بمثابة طُعم يستدرج من خلالها القارئ البسيط إلى عرينه، فيغوص به في متاهات التحليلات المنطقية لكل ما حدث، لنتلمس وإياه مسببات نشوء الأغنية السياسية في لبنان، مروراً ببلوغها الذروة إبان سنوات الحرب وصولاً إلى موتها بعد انتهاء الأخيرة. إذ يتوصل، خصوصاً القارئ الذي لم يعايش الأحداث اللبنانية، أو لم يكن في وسطها تماماً، إلى فهم ما حدث، كل ما حدث من الألف إلى الياء من خلال كتاب باشا، ومن خلال الأغنية السياسية.
نقرأ في الكتاب بدايات ملامح ومميزات هذه الأغنية والتغيرات التي طرأت عليها، ورموزها الذين كتبوا تاريخها، يوماً بيوم ولحظة بلحظة، في حقبة هامة من تاريخ لبنان إبان القرن العشرين، إذ شاء القدر أن يكون باشا شاهداً على تلك الولادة وعلى ذاك الموت.
فالأغنية السياسية بدأت ملامحها ـ حسب المؤلف ـ مع نقد المنظومة الفرنكوفونية، وتالياً شهدت نهضة وزخماً في بدايات الحرب اللبنانية، مع أغنية "إسمع" التي كتبها باشا ولحنها أحمد قعبور وهما في إبان حراستهما لمركز "منظمة العمل الشيوعي" وفي خضم حرب حقيقية للدفاع عن هذا المركز ضد قوات الصاعقة التي حاولت دهمه.
من هذا المنطلق يعزو الكاتب تطور الثقافة ومن ضمنها خصوصاً، الأغنية السياسية، إلى الشيوعيين، بدرجة كبيرة. يقول باشا: "... لقد أضحينا منذ تلك اللحظة رفاقاً في منظمة سهلت حضور الثقافة، عبرنا وعبر آخرين... لقد وضعنا في دائرة الضوء...".
شهدت الساحة الغنائية السياسية اختلافات في إمكانات تقديم هذه الأغنية وأشكالها، ومضامينها، ومن اللاعبين الأساسيين في بزوغ فجر الأغنية السياسية ومن ثم في تطويرها، وتغيير لهجاتها.
غازي بكداشي لعب دوراً هاماً، منذ أغنيته الشهيرة "سجّل أنا عربي" قصيدة محمود درويش التي لحنها وأداها قبيل اندلاع الحرب. وتحسب له البداية مع الكورس الشعبي، وقد يكون بول مطر من اللاعبين الأوائل في العام 1973، لكن باشا يعتبر هذا التاريخ، هو تاريخ ثاني للأغنية السياسية، بعد بدايتها الأولى عام 1971، حين قدمت الأغنية السياسية ضمن مسرحيات مثل "مجدلون" وأغنية لوليد غلمية بعنوان "ما همّ أن نموت" عن قصيدة لتشي غيفارا، و "وايزمن بن غوريون" لجلال خوري.
جاء عابد عازرية عام 1971، بأسطوانة لصالح الحزب الشيوعي الفرنسي تحوي قصائد لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد، ثم احتضنه البيت اللبناني في المدينة الجامعية في باريس وأقام حفلاً فيه، شاركه بول مطر في قصائد لجورج شحادة وفؤاد غبريال نفاع وميشال قصير بالفرنسية.
يفرد الكاتب صفحات وحيزاً واسعاً لكل من رموز الأغنية السياسية: أحمد قعبور و خالد الهبر وآل الحافي وأسامة حلاق وحنان مياس وصباح القرى وعصام الحاج علي وإيليا سابا وتوفيق فروخ ومخول قاصوف، الذي هجر طب الأسنان إلى الأغنية المحرضة.
ثم بعد عودة مارسيل خليفة من فرنسا، وحفلات زياد الرحباني ويومها كانت أغنية قعبور الشهيرة "أناديكم" تبزّ أغنية الشيخ إمام للنص نفسه الذي كتبه توفيق زيّاد، فكان قعبور يومها حسب باشا يمثل رأس حربة الأغنية الجديدة.
ولم ينس باشا التجارب العربية في الأغنية السياسية، فراح يتذكر مصطفى الكرد الفلسطيني الذي وجد في بيروت حضناً دافئاً، ثم الشيخ إمام ورفيقه أحمد فؤاد نجم، وفرقة الطريق العراقية والسوري سميح شقير وآخرين، مقارناً هذه التجارب بالتجربة اللبنانية، وقد يكون وصفه للأخيرة بأنها كانت في قلب الحرب فيما تلك في الدول العربية بقيت في طور التحدي الرمزي، أو أن اللبنانية تعرضت إلى إبادات جماعية مدوية، عكس العربية التي لم تتعرض للإبادة، وفي ذلك إجحاف بحق التجارب العربية التي تعرضت هي الأخرى للإبادة على يد السلطة، وإن لم تكن بكثافة تلك التي تعرضت لها التجربة اللبنانية.
المفارقة إن باشا يعتبر موت الأغنية المذلّ كان مع الأغنية نفسها، حين سمعها تهدر عالياً من راديو في ظل اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء عام 1982، والقصف والإبادة، إضافة إلى التقسيم والشقاق الداخلي، إذ شعر آنذاك بمدى قصور الكلمات والمعاني والألحان عن التعبير عن مدى الخسارة والانكسار.
يختتم عبيدو باشا كتابه بعد تفاصيل مشوقة بسطور تنعي إلينا الأغنية السياسية بعد عودة إنضوائها تحت جناح السلطة الثقافية بعد زمن من التمرد عليها فكان مقتلها الأكيداً والنهائي ...
الكتاب: موت مدير مسرح/ذاكرة الأغنية السياسية
المولف: عبيدو باشا
الناشر: دار الآداب ـ بيروت، 2005
عبر طرق عدة، مستقيمة مرة، متعرجة مرات، يجول بنا الناقد في الأجواء اللبنانية عامة، لكنها طرق مليئة بالمطبات، والخنادق، والحفر، وقليلاً ما نجد أثناء تجوالنا معه طرقاً معبدة أو ظلالاً وارفة، ذلك أن الأغنية السياسية ولدت في ظروف شهد فيها لبنان احتقانات فكرية، سياسية، اجتماعية وإيديولوجيات بدأت تستحكم أو تتحكم في شباب جعلته ينمو على جمر بركاني يكاد ينفجر.
وفي أسلوب يقترب أحياناً من اليوميات يتفكه أو يتندر بها رغم خطورة بعضها، تشدّ القارىء مهما اختلفت ثقافته، أو وعيه، لكنها بمثابة طُعم يستدرج من خلالها القارئ البسيط إلى عرينه، فيغوص به في متاهات التحليلات المنطقية لكل ما حدث، لنتلمس وإياه مسببات نشوء الأغنية السياسية في لبنان، مروراً ببلوغها الذروة إبان سنوات الحرب وصولاً إلى موتها بعد انتهاء الأخيرة. إذ يتوصل، خصوصاً القارئ الذي لم يعايش الأحداث اللبنانية، أو لم يكن في وسطها تماماً، إلى فهم ما حدث، كل ما حدث من الألف إلى الياء من خلال كتاب باشا، ومن خلال الأغنية السياسية.
نقرأ في الكتاب بدايات ملامح ومميزات هذه الأغنية والتغيرات التي طرأت عليها، ورموزها الذين كتبوا تاريخها، يوماً بيوم ولحظة بلحظة، في حقبة هامة من تاريخ لبنان إبان القرن العشرين، إذ شاء القدر أن يكون باشا شاهداً على تلك الولادة وعلى ذاك الموت.
فالأغنية السياسية بدأت ملامحها ـ حسب المؤلف ـ مع نقد المنظومة الفرنكوفونية، وتالياً شهدت نهضة وزخماً في بدايات الحرب اللبنانية، مع أغنية "إسمع" التي كتبها باشا ولحنها أحمد قعبور وهما في إبان حراستهما لمركز "منظمة العمل الشيوعي" وفي خضم حرب حقيقية للدفاع عن هذا المركز ضد قوات الصاعقة التي حاولت دهمه.
من هذا المنطلق يعزو الكاتب تطور الثقافة ومن ضمنها خصوصاً، الأغنية السياسية، إلى الشيوعيين، بدرجة كبيرة. يقول باشا: "... لقد أضحينا منذ تلك اللحظة رفاقاً في منظمة سهلت حضور الثقافة، عبرنا وعبر آخرين... لقد وضعنا في دائرة الضوء...".
شهدت الساحة الغنائية السياسية اختلافات في إمكانات تقديم هذه الأغنية وأشكالها، ومضامينها، ومن اللاعبين الأساسيين في بزوغ فجر الأغنية السياسية ومن ثم في تطويرها، وتغيير لهجاتها.
غازي بكداشي لعب دوراً هاماً، منذ أغنيته الشهيرة "سجّل أنا عربي" قصيدة محمود درويش التي لحنها وأداها قبيل اندلاع الحرب. وتحسب له البداية مع الكورس الشعبي، وقد يكون بول مطر من اللاعبين الأوائل في العام 1973، لكن باشا يعتبر هذا التاريخ، هو تاريخ ثاني للأغنية السياسية، بعد بدايتها الأولى عام 1971، حين قدمت الأغنية السياسية ضمن مسرحيات مثل "مجدلون" وأغنية لوليد غلمية بعنوان "ما همّ أن نموت" عن قصيدة لتشي غيفارا، و "وايزمن بن غوريون" لجلال خوري.
جاء عابد عازرية عام 1971، بأسطوانة لصالح الحزب الشيوعي الفرنسي تحوي قصائد لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد، ثم احتضنه البيت اللبناني في المدينة الجامعية في باريس وأقام حفلاً فيه، شاركه بول مطر في قصائد لجورج شحادة وفؤاد غبريال نفاع وميشال قصير بالفرنسية.
يفرد الكاتب صفحات وحيزاً واسعاً لكل من رموز الأغنية السياسية: أحمد قعبور و خالد الهبر وآل الحافي وأسامة حلاق وحنان مياس وصباح القرى وعصام الحاج علي وإيليا سابا وتوفيق فروخ ومخول قاصوف، الذي هجر طب الأسنان إلى الأغنية المحرضة.
ثم بعد عودة مارسيل خليفة من فرنسا، وحفلات زياد الرحباني ويومها كانت أغنية قعبور الشهيرة "أناديكم" تبزّ أغنية الشيخ إمام للنص نفسه الذي كتبه توفيق زيّاد، فكان قعبور يومها حسب باشا يمثل رأس حربة الأغنية الجديدة.
ولم ينس باشا التجارب العربية في الأغنية السياسية، فراح يتذكر مصطفى الكرد الفلسطيني الذي وجد في بيروت حضناً دافئاً، ثم الشيخ إمام ورفيقه أحمد فؤاد نجم، وفرقة الطريق العراقية والسوري سميح شقير وآخرين، مقارناً هذه التجارب بالتجربة اللبنانية، وقد يكون وصفه للأخيرة بأنها كانت في قلب الحرب فيما تلك في الدول العربية بقيت في طور التحدي الرمزي، أو أن اللبنانية تعرضت إلى إبادات جماعية مدوية، عكس العربية التي لم تتعرض للإبادة، وفي ذلك إجحاف بحق التجارب العربية التي تعرضت هي الأخرى للإبادة على يد السلطة، وإن لم تكن بكثافة تلك التي تعرضت لها التجربة اللبنانية.
المفارقة إن باشا يعتبر موت الأغنية المذلّ كان مع الأغنية نفسها، حين سمعها تهدر عالياً من راديو في ظل اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء عام 1982، والقصف والإبادة، إضافة إلى التقسيم والشقاق الداخلي، إذ شعر آنذاك بمدى قصور الكلمات والمعاني والألحان عن التعبير عن مدى الخسارة والانكسار.
يختتم عبيدو باشا كتابه بعد تفاصيل مشوقة بسطور تنعي إلينا الأغنية السياسية بعد عودة إنضوائها تحت جناح السلطة الثقافية بعد زمن من التمرد عليها فكان مقتلها الأكيداً والنهائي ...
الكتاب: موت مدير مسرح/ذاكرة الأغنية السياسية
المولف: عبيدو باشا
الناشر: دار الآداب ـ بيروت، 2005