2at2ottaa
08-10-2006, 09:03 PM
كتاب كليلة ودمنة هوثمرة زواج الفكر الهندي ممثلا في الفيلسوف بيديا والعبقرية العربية ممثلة في عبدالله بن المقفع. والذي انجب هذا العمل الادبي الفكري العظيم في عصر من اغنى العصور الادبية العربية.
وسأقوم بنشر الكتاب على اجزاء آمل ان ينال اعجابكم.
ابن المقفع
هو روزبة بن دازوية فارسي الأصل، ولد في البصرة (724-759م) ونشأ مجوسياً مستعرباً بين آل الأهتم الذين اشتهروا بالفصاحة والعلم. وقد أتقن اللغتين وآدابهما: الفارسية، لغة قومه، والعربية، لغة الدولة والبلاد التي نشأ فيها. ولما مات والده (المقفع) أخذ يتكسب بصناعة الكتابة، فكتب في خدمة آل هبيرة، عمال الدولة الأموية، وكان يومذاك في العشرين من عمره.
وعندما انتقل الملك للعباسيين اتصل بأعمام المنصور، فكتب لعيسى أيام ولايته على "كرمان" وأدَّب بعض بني إسماعيل والي "الأهواز". وعلى يد عيسى أعلن روزبة إسلامه، وسمي بعبد الله، وكني بأبي محمد.
في زمنه كان الخلاف على أشده بين مؤسسي الدولة العباسية. فقد خرج عبد الله بن علي على المنصور ابن أخيه، فأرسل له هذا جيشاً للقضاء عليه، وكان الجيش بقيادة أبي مسلم الخراساني، ففشلت ثورة عبد الله، وهرب ليلتجئ عند أخيه سليمان والي البصرة، فعزله الخليفة المنصور من ولايته، وولى مكانه سفيان ابن معاوية المهلبي.
طلب الخليفة تسليم عبد الله إليه، فرفض أخواه سليمان وعيسى ذلك إلا بأمان منه يمليان هما شروطه. ولما رضي المنصور كتب الأمان ابن المقفع – وكان كاتباً عندهما – فشدّد وبالغ في شروطه خوفاً من غدر المنصور، فنقم المنصور عليه، وراح يتربص الفرص للإيقاع به.
وبالإضافة الى نقمة المنصور، كان سفيان الوالي الجديد يحقد على ابن المقفع لاستخفافه به وتندره عليه، وسخريته الدائمة منه. ومن صفات ابن المقفع أنه كان جريئا صريحاً في إعطاء رأيه. انتقد سير الحكم في البلاد، فزاد حقد المنصور عليه وبدأ يدبر المكايد لقتله.
اختلفت الروايات حول الطريقة التي قتل فيها ابن المقفع، ولكن الثابت منها أنه دخل دار سفيان في بعض مهام تخصّ مولاه عيسى بن علي، ولم يخرج منها.
حاول مولاه عيسى إن يكشف عن الجريمة، ويدين سفيان بها، ولكن الخليفة كان إلى جانب واليه فأنقذه. ومما يروى انه لما حضر الشهود وشهدوا بأنهم رأوا ابن المقفع يدخل دار الوالي ولم يخرج منها، أجابهم المنصور: "ماذا أفعل إذا قتلت سفيان الساعة لأجل ابن المقفع ثم خرج هذا وخاطبكم من هذا الباب؟ (وأشار إلى باب خلفه)" فخاف عندئذ الشهود ورجعوا عن شهادتهم. وقد أُشيع بعد موته بأنه كان زنديقاً لا يؤمن بالدين، ولكن كتبه لا تشير إلى شيء من ذلك. مات وهو في السادسة والثلاثين من عمره.
وصفه بعضهم بأنه أذكى العجم المستعربين وأفصحهم، كريم الخلق، سخي اليد، شديد الوفاء، ومما يذكر عنه انه كاد يضحي بنفسه في أحدى المرات لتخليص صديقه عبد الحميد بن يحيى، الذي كان يطارده العباسيون لولائه للأمويين.
كان ابن المقفع متمكناً من اللغتين الفارسية والعربية وقد ترجم من الفارسية إلى العربية وأجاد في الترجمة ونقل كثيراً من الكتب، ضاع أكثرها، وما وصل إلينا منها يشير إلى انه كان يتصرف في الترجمة، فيزيد وينقص كما يشاء.
ونلاحظ ذلك بوضوح في كتاب كليلة ودمنة، ففيه عبارات تدل على أنها كتبت بعد ظهور الدين الإسلامي، مع العلم أن بيديا الفيلسوف، واضع الكتاب باللغة الهندية، كان برهمياً عاش في الهند منذ عشرين قرناً أو أكثر على الأرجح.
ولعل الحالة السياسية المضطربة، التي كانت تسود البلاد في زمن المنصور الطاغية الذي يشبه، من حيث طغيانه، دبشليم كان من الدوافع الكبرى لأبن المقفع على ترجمة الكتاب، وقد سمي "كليلة ودمنة" من باب تسمية الكل باسم الجزء، نسبة إلى ثعلبين شقيقين يقومان بدور كبير في أحد أبوابه. وقد انتشر الكتاب انتشاراً واسعاً. ويعد بحق أول كتاب عربي في الأخلاق لما فيه من نصائح وتوجيه بطريقة المثل المعقول غالباً على ألسنة البهائم. وشغف به العرب حتى قام منهم من نقله ثانية ومن عارضه، كما فعل سهل بن هارون، أحد كتاب المأمون حين ألف كتاب "ثعلة وعفرة" الذي فقد. كما نظمه البعض شعراً.
وتلك الكتب فقدت جميعاً ولم يبق إلا ذكرها إلى جانب كتاب كليلة ودمنة الذي قل أن تخلو منه مكتبة الآن.
الباب الأول
مقدمة الكتاب
قدمها بهنود بن سحوان ويعرف بعليّ بن الشاه الفارسي. ذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيديا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه الذي سماه كليلة ودمنة ، وجعله على ألسن البهائم والطير، صيانة لغرضه فيه من العوام، وضناً بما ضمنّه عن الطغام ، وتنزيهاً للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، إذ هي للفيلسوف مندوحة ، ولخاطره مفتوحة، ولمحبيها تثقيف ، ولطالبيها تشريف. وذكر السبب الذي من اجله أنفذ كسرى أنو شروان بن قبّاذ بن فيروز ملك الفرس، برزويه رأس أطباء فارس، الى بلاد الهند لأجل كتاب كليلة ودمنة. وما كان من تلطيف برزويه عند دخوله الى الهند، حتى حضر اليه الرجل الذي استنسخه له سراً من خزانة الملك ليلاً، مع ما وجد من كتب علماء الهند.
وقد ذكر الذي كان من بعثة برزويه الى مملكة الهند لأجل نقل هذا الكتاب، وذكر فيها ما يلزم مطالعه من إتقان قراءته والقيام بدراسته والنظر الى باطن كلامه. وأنه، ان لم يكن كذلك، لم يحصل على الغاية منه، وذكر فيها حضور برزويه وقراءة الكتاب جهراً، وقد ذكر السبب الذي من أجله وضع بزرجمهر باباً مفرداً يسمى باب برزويه الطبيب، وذكر فيه شأن برزويه من أول أمره وآن مولده الى ان بلغ التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها، وجعله قبل باب الأسد والثور الذي هو أول الكتاب.
-1-
قال عليُّ بنُ الشّاه الفارسيُّ كان السبب الذي من أجله وضع بيديا الفيلسوف لدبشليم ملك الهند، كتاب كليلة ودمنة، أن الاسكندر ذا القرنين الرومي لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا بناحية المغرب، سار يريد ملوك المشرق من الفرس وغيرهم. فلم يزل يحارب من نازعه، ويُواقع من واقعه، ويُسالم من وادعهُ من ملوك الفرس وهم الطبقة الأولى ، حتى ظهر عليهم ، وقهر من ناوأه ، وتغلب على من حاربه، فتفرقوا طرائق ، وتمزقوا خرائق .فتوجه بالجنود نحو بلاد الصين، فبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه الى طاعته، والدخول في ملته وولايته ، وكان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأس، قوة ومراس لمحاربيه، واستعد لمجاذبته وضم اليه اطرافه ، وجدّ في التّألُّب عليه، وجمع له العُدّة ، في أسرع مدة، من الفيلة المعدة للحروب، والسباع المُضراة بالوثوب، مع الخيول المُسرجة، والسيوف القواطع، والحراب اللوامع.
فلما قرُب ذو القرنين م "فور" الهندي، وبلغه ما قد أعد له من الخيل التي كأنها قطع الليل، مما لم يلقه بمثله أحدٌ من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوف ذو القرنين من تقصير يقع به إن عجل المبارزة. وكان ذو القرنين رجلاً ذا حيل ومكايد، مع حسن تدبير وتجربة، فرأى إعمال الحيلة والتمهل، واحتفر خندقاً على عسكرة، وأقام بمكانه، لاستنباط الحيلة والتدبير لأمره، وكيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع به، فاستدعى بالمنجمين، وأمرهم بالاختيار ليوم موافق، تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند والنصرة عليه، فاشتغلوا بذلك.
وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة الا اخذ الصناع المشهورين من صناعها بالحذق من كل صنف، فنتجت له همته، ودلته فطنته ان يتقدم الى الصناع الذين معه، ان يصنعوا خيلا من نحاس مجوفةً، عليها تماثيل من الرجال. على بكرٍ تجْري، إذا دُفعتْ مرّت سراعاً. وأمرَ، إذا فرغوا منها، أن تُحشى اجوافها بالنفط والكبريت وتُلبّس وتقدم أمام الصف في القلب. ووقت ما يلتقي الجمعان تُضرم فيها النيران، فإن الفيلة إذا لفَّتْ خراطيمها على الفرسان وهي حامية ولّتْ هاربةً وأوعز إلى الصناع بالتشمير والانكماش والفراغ منها.
فجدّوا في ذلك وعجّلوا، وقرب أيضا وقت اختيار المنجمين فأعاد ذو القرنين رسله الى فور بما يدعوه إليه من طاعته والإذعان لدولته، فأجاب جواب مُصِرٍّ على مخالفته مقيمٍ على محاربته.
فلما رأى ذو القرنين عزيمتهُ، سار إليه بأُهْبته، وقدم فور الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك الخيل وتماثيل الفرسان فأقبلت الفيلة نحوها ولفّتْ خراطيمها عليها. فلمّا أحست بالحرارة ألقت من كان عليها، وداست تحت أرجلها. ومضت مهزومة هاربة لا تلوي على شيء ، ولا تمر بأحد إلا وطئته وتقطّع فورٌ وجمعهُ، وتبعهم أصحاب الاسكندر وأثخنوا فيهم الجراح، وصاح الإسكندر: يا ملك الهند، ابرز إلينا وأبق على عدتك وعيالك ولا تحملهم إلى الفناء، فإنه ليس من المروءة أن يرمي الملك بعدته في المهالك المتلفة والمواضع المجحفة، بل يقيم بماله ويدفع عنهم بنفسه فابرز إليّ ودع الجند، فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد.
فلما سمع فورٌ من ذي القرنين ذلك الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعاً فيه وظنّ ذلك فرصة. فبرز إليه الاسكندر فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندر أمره ولم يجد فرصة ولا حيلة، أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة عظيمة ارتجت لها الأرض والعساكر، فالتفت فورٌ عندما سمع الزعقة وظنها مكيدة في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربةٍ أمالته عن سرجه أتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض.
وسأقوم بنشر الكتاب على اجزاء آمل ان ينال اعجابكم.
ابن المقفع
هو روزبة بن دازوية فارسي الأصل، ولد في البصرة (724-759م) ونشأ مجوسياً مستعرباً بين آل الأهتم الذين اشتهروا بالفصاحة والعلم. وقد أتقن اللغتين وآدابهما: الفارسية، لغة قومه، والعربية، لغة الدولة والبلاد التي نشأ فيها. ولما مات والده (المقفع) أخذ يتكسب بصناعة الكتابة، فكتب في خدمة آل هبيرة، عمال الدولة الأموية، وكان يومذاك في العشرين من عمره.
وعندما انتقل الملك للعباسيين اتصل بأعمام المنصور، فكتب لعيسى أيام ولايته على "كرمان" وأدَّب بعض بني إسماعيل والي "الأهواز". وعلى يد عيسى أعلن روزبة إسلامه، وسمي بعبد الله، وكني بأبي محمد.
في زمنه كان الخلاف على أشده بين مؤسسي الدولة العباسية. فقد خرج عبد الله بن علي على المنصور ابن أخيه، فأرسل له هذا جيشاً للقضاء عليه، وكان الجيش بقيادة أبي مسلم الخراساني، ففشلت ثورة عبد الله، وهرب ليلتجئ عند أخيه سليمان والي البصرة، فعزله الخليفة المنصور من ولايته، وولى مكانه سفيان ابن معاوية المهلبي.
طلب الخليفة تسليم عبد الله إليه، فرفض أخواه سليمان وعيسى ذلك إلا بأمان منه يمليان هما شروطه. ولما رضي المنصور كتب الأمان ابن المقفع – وكان كاتباً عندهما – فشدّد وبالغ في شروطه خوفاً من غدر المنصور، فنقم المنصور عليه، وراح يتربص الفرص للإيقاع به.
وبالإضافة الى نقمة المنصور، كان سفيان الوالي الجديد يحقد على ابن المقفع لاستخفافه به وتندره عليه، وسخريته الدائمة منه. ومن صفات ابن المقفع أنه كان جريئا صريحاً في إعطاء رأيه. انتقد سير الحكم في البلاد، فزاد حقد المنصور عليه وبدأ يدبر المكايد لقتله.
اختلفت الروايات حول الطريقة التي قتل فيها ابن المقفع، ولكن الثابت منها أنه دخل دار سفيان في بعض مهام تخصّ مولاه عيسى بن علي، ولم يخرج منها.
حاول مولاه عيسى إن يكشف عن الجريمة، ويدين سفيان بها، ولكن الخليفة كان إلى جانب واليه فأنقذه. ومما يروى انه لما حضر الشهود وشهدوا بأنهم رأوا ابن المقفع يدخل دار الوالي ولم يخرج منها، أجابهم المنصور: "ماذا أفعل إذا قتلت سفيان الساعة لأجل ابن المقفع ثم خرج هذا وخاطبكم من هذا الباب؟ (وأشار إلى باب خلفه)" فخاف عندئذ الشهود ورجعوا عن شهادتهم. وقد أُشيع بعد موته بأنه كان زنديقاً لا يؤمن بالدين، ولكن كتبه لا تشير إلى شيء من ذلك. مات وهو في السادسة والثلاثين من عمره.
وصفه بعضهم بأنه أذكى العجم المستعربين وأفصحهم، كريم الخلق، سخي اليد، شديد الوفاء، ومما يذكر عنه انه كاد يضحي بنفسه في أحدى المرات لتخليص صديقه عبد الحميد بن يحيى، الذي كان يطارده العباسيون لولائه للأمويين.
كان ابن المقفع متمكناً من اللغتين الفارسية والعربية وقد ترجم من الفارسية إلى العربية وأجاد في الترجمة ونقل كثيراً من الكتب، ضاع أكثرها، وما وصل إلينا منها يشير إلى انه كان يتصرف في الترجمة، فيزيد وينقص كما يشاء.
ونلاحظ ذلك بوضوح في كتاب كليلة ودمنة، ففيه عبارات تدل على أنها كتبت بعد ظهور الدين الإسلامي، مع العلم أن بيديا الفيلسوف، واضع الكتاب باللغة الهندية، كان برهمياً عاش في الهند منذ عشرين قرناً أو أكثر على الأرجح.
ولعل الحالة السياسية المضطربة، التي كانت تسود البلاد في زمن المنصور الطاغية الذي يشبه، من حيث طغيانه، دبشليم كان من الدوافع الكبرى لأبن المقفع على ترجمة الكتاب، وقد سمي "كليلة ودمنة" من باب تسمية الكل باسم الجزء، نسبة إلى ثعلبين شقيقين يقومان بدور كبير في أحد أبوابه. وقد انتشر الكتاب انتشاراً واسعاً. ويعد بحق أول كتاب عربي في الأخلاق لما فيه من نصائح وتوجيه بطريقة المثل المعقول غالباً على ألسنة البهائم. وشغف به العرب حتى قام منهم من نقله ثانية ومن عارضه، كما فعل سهل بن هارون، أحد كتاب المأمون حين ألف كتاب "ثعلة وعفرة" الذي فقد. كما نظمه البعض شعراً.
وتلك الكتب فقدت جميعاً ولم يبق إلا ذكرها إلى جانب كتاب كليلة ودمنة الذي قل أن تخلو منه مكتبة الآن.
الباب الأول
مقدمة الكتاب
قدمها بهنود بن سحوان ويعرف بعليّ بن الشاه الفارسي. ذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيديا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه الذي سماه كليلة ودمنة ، وجعله على ألسن البهائم والطير، صيانة لغرضه فيه من العوام، وضناً بما ضمنّه عن الطغام ، وتنزيهاً للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، إذ هي للفيلسوف مندوحة ، ولخاطره مفتوحة، ولمحبيها تثقيف ، ولطالبيها تشريف. وذكر السبب الذي من اجله أنفذ كسرى أنو شروان بن قبّاذ بن فيروز ملك الفرس، برزويه رأس أطباء فارس، الى بلاد الهند لأجل كتاب كليلة ودمنة. وما كان من تلطيف برزويه عند دخوله الى الهند، حتى حضر اليه الرجل الذي استنسخه له سراً من خزانة الملك ليلاً، مع ما وجد من كتب علماء الهند.
وقد ذكر الذي كان من بعثة برزويه الى مملكة الهند لأجل نقل هذا الكتاب، وذكر فيها ما يلزم مطالعه من إتقان قراءته والقيام بدراسته والنظر الى باطن كلامه. وأنه، ان لم يكن كذلك، لم يحصل على الغاية منه، وذكر فيها حضور برزويه وقراءة الكتاب جهراً، وقد ذكر السبب الذي من أجله وضع بزرجمهر باباً مفرداً يسمى باب برزويه الطبيب، وذكر فيه شأن برزويه من أول أمره وآن مولده الى ان بلغ التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها، وجعله قبل باب الأسد والثور الذي هو أول الكتاب.
-1-
قال عليُّ بنُ الشّاه الفارسيُّ كان السبب الذي من أجله وضع بيديا الفيلسوف لدبشليم ملك الهند، كتاب كليلة ودمنة، أن الاسكندر ذا القرنين الرومي لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا بناحية المغرب، سار يريد ملوك المشرق من الفرس وغيرهم. فلم يزل يحارب من نازعه، ويُواقع من واقعه، ويُسالم من وادعهُ من ملوك الفرس وهم الطبقة الأولى ، حتى ظهر عليهم ، وقهر من ناوأه ، وتغلب على من حاربه، فتفرقوا طرائق ، وتمزقوا خرائق .فتوجه بالجنود نحو بلاد الصين، فبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه الى طاعته، والدخول في ملته وولايته ، وكان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأس، قوة ومراس لمحاربيه، واستعد لمجاذبته وضم اليه اطرافه ، وجدّ في التّألُّب عليه، وجمع له العُدّة ، في أسرع مدة، من الفيلة المعدة للحروب، والسباع المُضراة بالوثوب، مع الخيول المُسرجة، والسيوف القواطع، والحراب اللوامع.
فلما قرُب ذو القرنين م "فور" الهندي، وبلغه ما قد أعد له من الخيل التي كأنها قطع الليل، مما لم يلقه بمثله أحدٌ من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوف ذو القرنين من تقصير يقع به إن عجل المبارزة. وكان ذو القرنين رجلاً ذا حيل ومكايد، مع حسن تدبير وتجربة، فرأى إعمال الحيلة والتمهل، واحتفر خندقاً على عسكرة، وأقام بمكانه، لاستنباط الحيلة والتدبير لأمره، وكيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع به، فاستدعى بالمنجمين، وأمرهم بالاختيار ليوم موافق، تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند والنصرة عليه، فاشتغلوا بذلك.
وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة الا اخذ الصناع المشهورين من صناعها بالحذق من كل صنف، فنتجت له همته، ودلته فطنته ان يتقدم الى الصناع الذين معه، ان يصنعوا خيلا من نحاس مجوفةً، عليها تماثيل من الرجال. على بكرٍ تجْري، إذا دُفعتْ مرّت سراعاً. وأمرَ، إذا فرغوا منها، أن تُحشى اجوافها بالنفط والكبريت وتُلبّس وتقدم أمام الصف في القلب. ووقت ما يلتقي الجمعان تُضرم فيها النيران، فإن الفيلة إذا لفَّتْ خراطيمها على الفرسان وهي حامية ولّتْ هاربةً وأوعز إلى الصناع بالتشمير والانكماش والفراغ منها.
فجدّوا في ذلك وعجّلوا، وقرب أيضا وقت اختيار المنجمين فأعاد ذو القرنين رسله الى فور بما يدعوه إليه من طاعته والإذعان لدولته، فأجاب جواب مُصِرٍّ على مخالفته مقيمٍ على محاربته.
فلما رأى ذو القرنين عزيمتهُ، سار إليه بأُهْبته، وقدم فور الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك الخيل وتماثيل الفرسان فأقبلت الفيلة نحوها ولفّتْ خراطيمها عليها. فلمّا أحست بالحرارة ألقت من كان عليها، وداست تحت أرجلها. ومضت مهزومة هاربة لا تلوي على شيء ، ولا تمر بأحد إلا وطئته وتقطّع فورٌ وجمعهُ، وتبعهم أصحاب الاسكندر وأثخنوا فيهم الجراح، وصاح الإسكندر: يا ملك الهند، ابرز إلينا وأبق على عدتك وعيالك ولا تحملهم إلى الفناء، فإنه ليس من المروءة أن يرمي الملك بعدته في المهالك المتلفة والمواضع المجحفة، بل يقيم بماله ويدفع عنهم بنفسه فابرز إليّ ودع الجند، فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد.
فلما سمع فورٌ من ذي القرنين ذلك الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعاً فيه وظنّ ذلك فرصة. فبرز إليه الاسكندر فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندر أمره ولم يجد فرصة ولا حيلة، أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة عظيمة ارتجت لها الأرض والعساكر، فالتفت فورٌ عندما سمع الزعقة وظنها مكيدة في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربةٍ أمالته عن سرجه أتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض.