المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : كتاب كليلة ودمنة - للفيلسوف بيديا


2at2ottaa
08-10-2006, 09:03 PM
كتاب كليلة ودمنة هوثمرة زواج الفكر الهندي ممثلا في الفيلسوف بيديا والعبقرية العربية ممثلة في عبدالله بن المقفع. والذي انجب هذا العمل الادبي الفكري العظيم في عصر من اغنى العصور الادبية العربية.
وسأقوم بنشر الكتاب على اجزاء آمل ان ينال اعجابكم.

ابن المقفع
هو روزبة بن دازوية فارسي الأصل، ولد في البصرة (724-759م) ونشأ مجوسياً مستعرباً بين ‏آل الأهتم الذين اشتهروا بالفصاحة والعلم. وقد أتقن اللغتين وآدابهما: الفارسية، لغة قومه، ‏والعربية، لغة الدولة والبلاد التي نشأ فيها. ولما مات والده (المقفع) أخذ يتكسب بصناعة الكتابة، ‏فكتب في خدمة آل هبيرة، عمال الدولة الأموية، وكان يومذاك في العشرين من عمره. ‏

وعندما انتقل الملك للعباسيين اتصل بأعمام المنصور، فكتب لعيسى أيام ولايته على ‏‏"كرمان" وأدَّب بعض بني إسماعيل والي "الأهواز". وعلى يد عيسى أعلن روزبة إسلامه، ‏وسمي بعبد الله، وكني بأبي محمد. ‏

في زمنه كان الخلاف على أشده بين مؤسسي الدولة العباسية. فقد خرج عبد الله بن علي ‏على المنصور ابن أخيه، فأرسل له هذا جيشاً للقضاء عليه، وكان الجيش بقيادة أبي مسلم ‏الخراساني، ففشلت ثورة عبد الله، وهرب ليلتجئ عند أخيه سليمان والي البصرة، فعزله الخليفة ‏المنصور من ولايته، وولى مكانه سفيان ابن معاوية المهلبي.‏

طلب الخليفة تسليم عبد الله إليه، فرفض أخواه سليمان وعيسى ذلك إلا بأمان منه يمليان ‏هما شروطه. ولما رضي المنصور كتب الأمان ابن المقفع – وكان كاتباً عندهما – فشدّد وبالغ ‏في شروطه خوفاً من غدر المنصور، فنقم المنصور عليه، وراح يتربص الفرص للإيقاع به. ‏

وبالإضافة الى نقمة المنصور، كان سفيان الوالي الجديد يحقد على ابن المقفع لاستخفافه ‏به وتندره عليه، وسخريته الدائمة منه. ومن صفات ابن المقفع أنه كان جريئا صريحاً في إعطاء ‏رأيه. انتقد سير الحكم في البلاد، فزاد حقد المنصور عليه وبدأ يدبر المكايد لقتله. ‏

اختلفت الروايات حول الطريقة التي قتل فيها ابن المقفع، ولكن الثابت منها أنه دخل دار ‏سفيان في بعض مهام تخصّ مولاه عيسى بن علي، ولم يخرج منها. ‏

حاول مولاه عيسى إن يكشف عن الجريمة، ويدين سفيان بها، ولكن الخليفة كان إلى ‏جانب واليه فأنقذه. ومما يروى انه لما حضر الشهود وشهدوا بأنهم رأوا ابن المقفع يدخل دار ‏الوالي ولم يخرج منها، أجابهم المنصور: "ماذا أفعل إذا قتلت سفيان الساعة لأجل ابن المقفع ثم ‏خرج هذا وخاطبكم من هذا الباب؟ (وأشار إلى باب خلفه)" فخاف عندئذ الشهود ورجعوا عن ‏شهادتهم. وقد أُشيع بعد موته بأنه كان زنديقاً لا يؤمن بالدين، ولكن كتبه لا تشير إلى شيء من ‏ذلك. مات وهو في السادسة والثلاثين من عمره. ‏

وصفه بعضهم بأنه أذكى العجم المستعربين وأفصحهم، كريم الخلق، سخي اليد، شديد ‏الوفاء، ومما يذكر عنه انه كاد يضحي بنفسه في أحدى المرات لتخليص صديقه عبد الحميد بن ‏يحيى، الذي كان يطارده العباسيون لولائه للأمويين. ‏

كان ابن المقفع متمكناً من اللغتين الفارسية والعربية وقد ترجم من الفارسية إلى العربية ‏وأجاد في الترجمة ونقل كثيراً من الكتب، ضاع أكثرها، وما وصل إلينا منها يشير إلى انه كان ‏يتصرف في الترجمة، فيزيد وينقص كما يشاء. ‏
ونلاحظ ذلك بوضوح في كتاب كليلة ودمنة، ففيه عبارات تدل على أنها كتبت بعد ظهور الدين ‏الإسلامي، مع العلم أن بيديا الفيلسوف، واضع الكتاب باللغة الهندية، كان برهمياً عاش في الهند ‏منذ عشرين قرناً أو أكثر على الأرجح.‏

ولعل الحالة السياسية المضطربة، التي كانت تسود البلاد في زمن المنصور الطاغية ‏الذي يشبه، من حيث طغيانه، دبشليم كان من الدوافع الكبرى لأبن المقفع على ترجمة الكتاب، ‏وقد سمي "كليلة ودمنة" من باب تسمية الكل باسم الجزء، نسبة إلى ثعلبين شقيقين يقومان بدور ‏كبير في أحد أبوابه. وقد انتشر الكتاب انتشاراً واسعاً. ويعد بحق أول كتاب عربي في الأخلاق ‏لما فيه من نصائح وتوجيه بطريقة المثل المعقول غالباً على ألسنة البهائم. وشغف به العرب حتى ‏قام منهم من نقله ثانية ومن عارضه، كما فعل سهل بن هارون، أحد كتاب المأمون حين ألف ‏كتاب "ثعلة وعفرة" الذي فقد. كما نظمه البعض شعراً. ‏
وتلك الكتب فقدت جميعاً ولم يبق إلا ذكرها إلى جانب كتاب كليلة ودمنة الذي قل أن تخلو منه ‏مكتبة الآن. ‏





الباب الأول ‏

مقدمة الكتاب
قدمها بهنود بن سحوان ويعرف بعليّ بن الشاه الفارسي. ذكر فيها السبب الذي من أجله عمل ‏بيديا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه الذي سماه كليلة ودمنة ، ‏وجعله على ألسن البهائم والطير، صيانة لغرضه فيه من العوام، وضناً بما ضمنّه عن ‏الطغام ، وتنزيهاً للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، إذ هي للفيلسوف مندوحة ، ‏ولخاطره مفتوحة، ولمحبيها تثقيف ، ولطالبيها تشريف. وذكر السبب الذي من اجله أنفذ ‏كسرى أنو شروان بن قبّاذ بن فيروز ملك الفرس، برزويه رأس أطباء فارس، الى بلاد الهند ‏لأجل كتاب كليلة ودمنة. وما كان من تلطيف برزويه عند دخوله الى الهند، حتى حضر اليه ‏الرجل الذي استنسخه له سراً من خزانة الملك ليلاً، مع ما وجد من كتب علماء الهند. ‏

وقد ذكر الذي كان من بعثة برزويه الى مملكة الهند لأجل نقل هذا الكتاب، وذكر فيها ما يلزم ‏مطالعه من إتقان قراءته والقيام بدراسته والنظر الى باطن كلامه. وأنه، ان لم يكن كذلك، لم ‏يحصل على الغاية منه، وذكر فيها حضور برزويه وقراءة الكتاب جهراً، وقد ذكر السبب ‏الذي من أجله وضع بزرجمهر باباً مفرداً يسمى باب برزويه الطبيب، وذكر فيه شأن برزويه ‏من أول أمره وآن مولده الى ان بلغ التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها، وجعله قبل ‏باب الأسد والثور الذي هو أول الكتاب. ‏

‏-1-‏
قال عليُّ بنُ الشّاه الفارسيُّ كان السبب الذي من أجله وضع بيديا الفيلسوف لدبشليم ملك ‏الهند، كتاب كليلة ودمنة، أن الاسكندر ذا القرنين الرومي لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا ‏بناحية المغرب، سار يريد ملوك المشرق من الفرس وغيرهم. فلم يزل يحارب من نازعه، ‏ويُواقع من واقعه، ويُسالم من وادعهُ من ملوك الفرس وهم الطبقة الأولى ، حتى ظهر ‏عليهم ، وقهر من ناوأه ، وتغلب على من حاربه، فتفرقوا طرائق ، وتمزقوا خرائق ‏‏.فتوجه بالجنود نحو بلاد الصين، فبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه الى طاعته، والدخول ‏في ملته وولايته ، وكان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأس، قوة ومراس ‏لمحاربيه، واستعد لمجاذبته وضم اليه اطرافه ، وجدّ في التّألُّب عليه، وجمع له ‏العُدّة ، في أسرع مدة، من الفيلة المعدة للحروب، والسباع المُضراة بالوثوب، مع ‏الخيول المُسرجة، والسيوف القواطع، والحراب اللوامع. ‏
فلما قرُب ذو القرنين م "فور" الهندي، وبلغه ما قد أعد له من الخيل التي كأنها قطع الليل، مما ‏لم يلقه بمثله أحدٌ من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوف ذو القرنين من تقصير يقع به إن ‏عجل المبارزة. وكان ذو القرنين رجلاً ذا حيل ومكايد، مع حسن تدبير وتجربة، فرأى إعمال ‏الحيلة والتمهل، واحتفر خندقاً على عسكرة، وأقام بمكانه، لاستنباط الحيلة والتدبير لأمره، ‏وكيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع به، فاستدعى بالمنجمين، وأمرهم بالاختيار ليوم موافق، ‏تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند والنصرة عليه، فاشتغلوا بذلك. ‏
وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة الا اخذ الصناع المشهورين من صناعها بالحذق من كل ‏صنف، فنتجت له همته، ودلته فطنته ان يتقدم الى الصناع الذين معه، ان يصنعوا خيلا من ‏نحاس مجوفةً، عليها تماثيل من الرجال. على بكرٍ تجْري، إذا دُفعتْ مرّت سراعاً. وأمرَ، إذا ‏فرغوا منها، أن تُحشى اجوافها بالنفط والكبريت وتُلبّس وتقدم أمام الصف في القلب. ووقت ما ‏يلتقي الجمعان تُضرم فيها النيران، فإن الفيلة إذا لفَّتْ خراطيمها على الفرسان وهي حامية ‏ولّتْ هاربةً وأوعز إلى الصناع بالتشمير والانكماش والفراغ منها. ‏
فجدّوا في ذلك وعجّلوا، وقرب أيضا وقت اختيار المنجمين فأعاد ذو القرنين رسله الى فور ‏بما يدعوه إليه من طاعته والإذعان لدولته، فأجاب جواب مُصِرٍّ على مخالفته مقيمٍ على ‏محاربته. ‏
فلما رأى ذو القرنين عزيمتهُ، سار إليه بأُهْبته، وقدم فور الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك ‏الخيل وتماثيل الفرسان فأقبلت الفيلة نحوها ولفّتْ خراطيمها عليها. فلمّا أحست بالحرارة ألقت من ‏كان عليها، وداست تحت أرجلها. ومضت مهزومة هاربة لا تلوي على شيء ، ولا تمر بأحد إلا ‏وطئته وتقطّع فورٌ وجمعهُ، وتبعهم أصحاب الاسكندر وأثخنوا فيهم الجراح، وصاح الإسكندر: يا ‏ملك الهند، ابرز إلينا وأبق على عدتك وعيالك ولا تحملهم إلى الفناء، فإنه ليس من المروءة أن ‏يرمي الملك بعدته في المهالك المتلفة والمواضع المجحفة، بل يقيم بماله ويدفع عنهم بنفسه فابرز ‏إليّ ودع الجند، فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد. ‏
فلما سمع فورٌ من ذي القرنين ذلك الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعاً فيه وظنّ ذلك فرصة. ‏فبرز إليه الاسكندر فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من ‏صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندر أمره ولم يجد فرصة ولا حيلة، أوقع ذو ‏القرنين في عسكره صيحة عظيمة ارتجت لها الأرض والعساكر، فالتفت فورٌ عندما سمع الزعقة ‏وظنها مكيدة في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربةٍ أمالته عن سرجه أتبعها بأخرى فوقع إلى ‏الأرض. ‏

2at2ottaa
08-10-2006, 09:26 PM
-2-‏
فلما رأت الهنود ما نزل بهم وما صار إليه ملكهم حملوا على الاسكندر فقاتلوه قتالا أحبوا معه ‏الموت. فوعدهم من نفسه الإحسان، ومنحه الله أكتافهم ، فاستولى على بلادهم، وملّك عليهم ‏رجلاً من ثقاته ، وأقام بالهند حتى استوسق له ما أراد من أمرهم، واتفاق كلمتهمْ. ثم ‏انصرف عن الهند وخلّف ذلك الرجل عليهم ومضى متوجهاً نحو ما قصد له. ‏

فلما بعُدَ ذو القرنين عن الهند بجيوشه تغيّرت الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلفه ‏عليهم وقالوا: ليس يصلح للسياسة، ولا ترضى الخاصة والعامة أن يملكوا عليهم رجلاً ليس هو ‏منهم ولا من أهل بيوتهم، فإنه لا يزال يستذلهم ويستقلهم. واجتمعوا يملكون عليهم رجلا من أولاد ‏ملوكهم. فملّكوا عليهم ملكاً يقال له دبشليم، وخلعوا الرجل الذي كان خلّفه الإسكندر، فلما استوسق ‏له الأمر، واستقر له الملك، طغى وبغى، وتجبر وتكبّر، وجعل يغزو من حوله من الملوك، وكان ‏مع ذلك مؤيداً مظفراً منصوراً، فهابته الرعية. فلما رأى ما هو عليه من المُلك والسطوة عبث ‏بالرعية ، واستصغر أمرهم، وأساء السيّرة فيهم، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتُواً ، فمكث ‏على ذلك برهةً من دهره. ‏

وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضلٌ حكيم يُعرف بفضله ويُرجع في الأمور إلى ‏قوله يقال له بيديا. فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه الحيلة في صرفه ‏عما هو عليه، وردّه إلى العدل والإنصاف. فجمع لذلك تلامذته وقال: أتعلمون ما أريد أن أشاور ‏كم فيه؟ اعلموا اني أطلت الفكرة في دبشليم، وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ‏ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية. ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذا الأمور إذا ظهرت من ‏الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع ‏المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا أن كنا في أنفس الجهال أجهل منهم، وفي العيون عندهم أقل ‏منهم، وليس الرأي عندي الجلاء عن الوطن، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه من ‏سوء السيرة وقبح الطريقة ، ولا يمكننا مجاهدته بغير ألسنتنا ولو ذهبنا الى أن نستعين بغيرنا لم ‏تتهيأ لنا معاندته. وإن أحس منا بمخالفته وإنكارنا سوء سيرته كان في ذلك بوارُنا . وقد ‏تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور على طيب الوطن، ونضارة العيش غدرٌ بالنفس. ‏وإن الفيلسوف لحقيق أن تكون همّته مصروفة إلى ما يحصن به نفسه من نوازل المكروه، ‏ولواحق المحذور، ويدفع لاستجلاب المحبوب. ولقد كنتُ اسمع إن فيلسوفا كتب إلى تلميذه يقول: ‏إن مجاورة رجال السوء، والمصاحبة لهم كراكب البحر، ان هو سلم من الغرق لم يسلم من ‏المخاوف. فإذا هو أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المخوفات، عُدَّ من الحمير التي لا نفس ‏لها، لأن الحيوانات البهيمية قد خُصَّتْ في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النفع وتتوقى المكروه، ‏وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها مورداً فيه هلكتها. وأنها متى أشرفتْ على موردٍ مهلك لها، مالتْ ‏بطبائعها التي ركبت فيها شحاً بأنفسها وصيانة لها الى النفور والتباعد عنه. وقد جمعتكم لهذا ‏الأمر لأنكم أسرتي، ومكان سِرّي، وموْضعُ معرفتي، وبكم أعتضد ، وعليكم اعتمد. فإن ‏الوحيد في نفسه، والمنفرد برأيه حيث كان، فهو ضائع ولا ناصر له، على أن العاقل قد يبلغ ‏بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود. ‏

‏-3-‏
والمثل في ذلك أن قُنبرة اتخذت أُدحيةً وباضت فيها على طريق الفيل، وكان للفيل مشربٌ ‏يتردد اليه. فمر ذات يوم على عادته، ليرد مورده فوطئ عُش القنبرة وهشم بيضها وقتل فراخها. ‏فلما نظرت ما ساءها علمتْ ان الذي نالها من الفيل لا من غيره. فطارت فوقعت على رأسه باكية ‏ثم قالت: أيها الملك، لم هشمتَ بيضي وقتلت فراخي وأنا في جوارك؟ أفعلت هذا استصغاراً منكَ ‏لأمري واحتقاراً لشأني. قال: هو الذي حملني على ذلك، فتركته وانصرفت الى جماعة الطير ‏فشكتْ اليها ما نالها من الفيل. فقلن لها: وما عسى ان نبلغ منه ونحن طيور؟ فقالت للعقاعق ‏والغربان: أحب منكن ان تصرن معي اليه فتفقأن عينيه، فإني أحتال له بعد ذلك بحيلة اخرى. ‏فأجبنها الى ذلك وذهبن الى الفيل، فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما، وبقي لا يهتدي الى ‏طريق مطعمه ومشربه إلا ما يقمه من موضعه. ‏
فلما علمت ذلك منه جاءت الى غدير فيه ضفادع كثيرة، فشكتْ اليها ما نالها من الفيل، قالت ‏الضفادع: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل، وأين نبلغ منه؟ قالت: أحب منكن ان تصرن معي الى ‏وهدة قريبه منه ، فتنققن فيها وتضججن. فإنه اذا سمع أصواتكن لم يشكَّ في الماء فيهوي ‏فيها، فأجبنها الى ذلك واجتمعن في الهاوية. فسمع الفيل نقيق الضفادع، وقد جهده العطش، فأقبل ‏حتى وقع في الوهدة فاعتطم فيها. ‏
وجاءت القنبرة ترفرف على رأسه وقالت: أيها الطاغي، المغتر بقوته، المحتقر لأمري، كيف ‏رأيت عظم حيلتي مع صغر جثتي عند عظم جثتك وصغر همّتك. ‏
فليُشر كل ُ واحدٍ منكم بما يسنح له من الرأي. قالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل، والحكيم ‏العادل، أنت المقدم فينا، والفاضل علينا ، وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك، وفهمنا عند ‏فهمك؟ غير أننا نعلم ان السباحة في الماء مع التمساح تغرير ، والذنب فيه لمن دخل عليه في ‏موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيبتلعه ليجربه على نفسه فليس الذنب للحية. ومن ‏دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته. وهذا الملك لم تُفْزعهُ النوائب ولمْ تؤدبه التجارب، ولسنا ‏نأمن عليك من سورته ومبادرته بسوء إذا لقيته بغير ما يحب. ‏
فقال الحكيم بيديا: لعمري، لقد قلتم فأحسنتم، لكن ذا الرأي الحازم لا يدع أن يشاور من هو دونه ‏أو فوقه في المنزلة. والرأي الفرد لا يكتفي به في الخاصة، ولا ينتفع به العامة. وقد صحّت ‏عزيمتي على لقاء دبشليم. وقد سمعت مقالتكم وتبين لي نصيحتكم والإشفاق عليّ وعليكم. غير أن ‏قد رأيت رأيا، وعزمت عزما، وستعرفون حديثي عند الملك ومجاوبتي إياه. فإذا اتصل بكم ‏خروجي من عنده فاجتمعوا إليّ. وصرفهم وهم يدعون له بالسلامة. ‏

2at2ottaa
08-10-2006, 09:29 PM
‏-4-‏
ثم ان بيديا اختار يوما للدخول على الملك، حتى اذا كان ذلك الوقت ألقى عليه مسوحه، وهي ‏لباس البراهمة ‏وقصد باب الملك، وسأل عن صاحب إذنه، وأرشد اليه، وسلم عليه، وأعلمه، وقال ‏له: أني رجلٌ قصدتُ الملك في ‏نصيحة. فدخل الآذن على الملك في وقته وقال: بالباب رجلٌ من ‏البراهمة، يقال له بيديا، ذكر ان معه للملك ‏نصيحة. فأذن له، فدخل ووقف بين يديه، وكفّر وسجد ‏له، واستوى قائماً ، وسكت. وفكّر دبشليم في سكوته وقال: ‏إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين: إما ان ‏يلتمس منا شيئاً يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة. ثم قال: ان ‏كان للملوك فضل ‏في مملكتها فإن للحكماء فضلا في حكمتها أعظم، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس ‏‏الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال. وقد وجدت العلم والحياء إلفين متآلفين لا يفترقان، متى فُقد ‏احدهما لم يوجد ‏الآخر، كالمتصافيين إن عُدم منهما أحد لم يطب صاحبه نفساً بالبقاء بعده تأسفا ‏عليه. ومن لم يستحي من الحكماء ‏ويكرمهم ويعرف فضلهم على غيرهم، ويصنهم عن المواقف ‏الواهنة، وينزههم عن المواطن الرذلة، كان ممن ‏حرم عقله وخسر دنياه، وظلم الحكماء حقوقهم، ‏وعدّ من الجهال. ‏
ثم رفع رأسه الى بيديا وقال له: نظرتُ اليك يا بيديا ساكتا لا تعرض حاجتك، ولا تذكر بغيتك، ‏فقلتُ: إن الذي ‏أسكته هيبةٌ ساورتهُ، أو حيرةٌ أدركته، وتأملتُ عند ذلك في طول وقوفك وقلتُ: لم ‏يكن لبيديا ان يطرقنا على غير ‏عادةٍ، إلا لأمر حركه لذلك، فإنه من أفضل أهل زمانه، فهّلا نسأله ‏عن سبب دخوله؟ فإن يكن من ضيم نالهُ كنتُ ‏أولى من أخذ بيده، وسارع في تشريفه، وتقدم في ‏البلوغ إلى مراده وإعزازه. وإن كانت بغيته غرضا من أغراض ‏الدنيا أمرتُ بإرضائه من ذلك ‏فيما أحب. وإن يكن من أمر الملك ومما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه من أنفسهم، ولا ‏ينقادوا إليه، ‏نظرت في قدر عقوبته. على أن مثله لم يكن ليجترئ على إدخال نفسه في باب مسألة الملوك. ‏وإن ‏كان شيئا من أمور الرعية يقصد فيه أن اصرف عنايتي إليهم نظرتُ ما هو، فإن الحكماء لا ‏يشيرون إلا بالخير، ‏والجهال يشيرون بضده. وأنا قد فسحت لك في الكلام. فلما سمع بيديا ذلك ‏من الملك أُفْرِخَ عنه روعه، وسرّي ما ‏كان وقع في نفسه من خوفه وكفّر له وسجد، ثم قام بين ‏يديه وقال: ‏
أول ما أقول: إني اسأل الله تعالى بقاء الملك على الأبد، ودوام مُلكه على الأمد لأنه قد منحني ‏الملك في مقامي هذا ‏محلاً جعله شرفا لي على جميع من بعدي من العلماء، وذكراً باقيا على ‏الدهر عند الحكماء، ثم أقبل على الملك ‏بوجهه مستبشراً به فرحاً بما بدا له منه، وقال: قد عطف ‏عليّ الملك بكرمه وإحسانه، والأمر الذي دعاني إلى ‏الدخول على الملك وحملني على المخاطرة ‏في كلامه، والإقدام عليه، نصيحةٌ اختصصته بها دون غيره. وسيعلم ‏من يتصل به ذلك أني لم ‏اقصر عن غاية فيما يجب للمولى على الحكماء فإن فسح في كلامي ووعاه عنّي فهو ‏حقيق بذلك، ‏وإن هو ألقاه فقد بلغت ما يلزمني وخرجتُ من لومٍ يلحقني. فقال الملك: يا بيديا، تكلم مهما شئتَ، ‏‏فإنني مصفٍ إليك، ومقبل عليك، وسامع منك، حتى أستفرغ ما عندك إلى آخره، وأجازيك على ‏ذلك بما أنت أهله. ‏‏


‏-5-‏
فقال بيديا: إني وجدت الامور التي اختص بها الانسان، من بين سائر الحيوان، أربعة اشياء، ‏وهي جماع ما في ‏العالم، وهي: الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والأدب والروية، داخلةٌ في ‏باب الحكمة. والحلم والصبر ‏والوقار، داخلةٌ في باب العقل. والحياء والكرم والصيانة والأنفة، ‏داخلةٌ في باب العفة. والصدق والإحسان ‏والمراقبة وحسن الخلق، داخلةٌ في باب العدل. وهذه هي ‏المحاسن، وأضدادها هي المساوئ. فمتى كلمت هذه في ‏واحد، لم يخرجه النقص في نعمته الى ‏سوء الحظ من دنياه، ولا الى نقص من عقباه، ولم يتأسف على ما لم يعن ‏التوفيق ببقائه، ولم ‏يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه، ولم يدهش عند مكروه. فالحكمة كنزٌ لا يفنى على ‏الإنفاق، ‏وذخيرة لا يضرب لها بالإملاق، وحلةٌ لا تخلق جدتها، ولذةٌ لا تصرم مدتها. ولئن كنتُ عند ‏مقامي بين ‏يدي الملك أمسكتُ عن ابتدائه بالكلام، فإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبته والإجلال له. ‏ولعمري ان الملوك لأهلٌ ان ‏يهابوا، ولا سيما من هو في المنزلة التي جل فيها الملك عن منازل ‏الملوك قبله. وقد قالت العلماء: إلزم السكوت ‏فإن فيه السلامة، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته ‏الندامة. ‏
وحكي ان اربعة من العلماء ضمهم مجلس ملك فقال لهم: ليتكلم كلٌ منكم بكلام يكون أصلا ‏للأدب. ‏
فقال احدهم : أفضل خلةِ العلماء السكوت. ‏
وقال الثاني: إن من أنفع الاشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله. ‏
وقال الثالث: أنفع الاشياء للإنسان ألا يتكلم بما لا يعنيه. ‏
وقال الرابع: أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير. ‏
واجتمع في بعض الزمان ملوك الأقاليم: من الصين، والهند، وفارس، والروم، وقالوا: ينبغي ان ‏يتكلم كل منا ‏بكلمة تدون عنه على غابر الدهر. ‏

2at2ottaa
08-10-2006, 11:29 PM
‏6-‏
غير ان الملك، أطال الله مدته، لما فسح لي في الكلام، وأوسع لي فيه، كان أولى ما أبدأ به من ‏الأمور التي هي غرضي، أن تكون ثمرة ذلك له دوني، وأن أختصه بالفائدة قبلي. على أن العقبى ‏هي ما أقصد في كلامي له، وإنما نفعه وشرفه راجع إليه، وأكون قد قضيت فرضا وجب عليّ ‏فأقول: ‏
أيها الملك، إنك في منازل آبائك وأجدادك من الجبابرة الذين اسسوا المُلك قبلك ، وشيدوه دونك، ‏وبنوا القلاع والحصون، ومهدوا البلاد وقادوا الجيوش واستجاشوا العدة، وطالت لهم المدة، ‏واستكثروا من السلاح والكراع وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب ‏جميل الذكر، ولا قطعهم عن اغتنام الشكر، واستعمال الإحسان إلى من خوّلوهُ، والرفق بمن ‏ولّوه، وحسن السيرة فيما تقلدوه ، مع عظم ما كانوا فيه من غرةِ المُلك وسكرةِ الاقتدار. ‏
وإنك أيها الملك السعيد جده، الطالع كوكب سعده، قد ورثت أرضهم وديارهم وأموالهم ومنازلهم ‏التي كانت عدتهم، فأقمت فيما خوّلْتَ من المُلك وورثت من الأموال والجنود، ولم تقم في ذلك ‏بحق ما يجب عليك ، بل طغيت وبغيت، وعتوْت وعلوْت على الرعية، وأسأت السيرة وعظمتْ ‏منك البلية. وكان الأولى والأشبه بك أن تسلك سبيل أسلافك، وتتّبع آثار الملوك قبلك، وتقفو ‏محاسن ما أبقوه لك، وتُقلع عما عاره لازم لك ، وشينه واقع بك ، وتحسن النظر برعيتك ، وتسُنّ ‏لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره، ويعقبك الجميل فخره ويكون ذلك أبقى على السلامة ، ‏وأدوم على الاستقامة. فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر والأمنية، والحازم اللبيب ‏من ساس الملك بالمداراة والرفق. فانظر ، أيها الملك، فيما ألقيتُ إليك ، ولا يثقلن ذلك عليك. فلم ‏أتكلم بهذا ابتغاء غرضٍ تجازيني به، ولا التماس معروف تسوقه إليّ، ولكني أتيتك مُشفقاً عليك. ‏
فلما فرغ بيديا من مقالته وقضى مناصحته، أوغر قلب الملك، فأغلظ له في الجواب استصغاراً ‏لأمره وقال: ‏

لقد تكلمتَ بكلامٍ ما كنتُ أظن أن أحدا من أهل مملكتي يستقبلني بمثله، ولا يقدم على ما أقدمت ‏عليه، فكيف أنت، مع صغر شأنك، وضعف مُنَّتِكَ، وعجز قُوَّتك؟ ولقد أكثرت إعجابي من إقدامك ‏عليً، وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدّك. وما أجد شيئا في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك، ‏فذلك عبرةٌ لمن عساه أن يبلغ ويروم ما رُمتَ أنت من الملوك إذا أوسعوا لهم في مجالسهم، ثم ‏أمر به أن يُقتل ويصلب. ‏

فلما مضوا به فيما أمر، فكّرَ فيما أمر به فأحجم عنه. ثم أمر بحبسه وتقييده. فلما حُبِسَ أنفذ الملك ‏في طلب تلامذته ومن كان يجتمع إليه، فهربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار. ‏
فمكث بيديا في محبسه أياماً لا يسأل الملك عنه ولا يلتفت إليه، ولا يجسر أحد أن يذكره عنده، ‏حتى إذا كان ليلةٌ من الليالي، سهد الملك سهداً شديداً، وطال سهده، فمدّ إلى الفلك بصره، وتفكر ‏في تفلك الفلك، وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه، فسلك به الى استنباط شيء عرض له من ‏أمور الفلك، والمسألة عنه. فذكر عند ذلك بيديا، وتفكر فيما كلّمه فيه فارعوى لذلك ، وقال في ‏نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف ، وضيّعتُ واجب حقه وحملني على ذلك سرعة ‏الغضب. ‏
وقد قالت العلماء: أربعة لا ينبغي أن تكون في الملوك: الغضب، فإنه أجدر الأشياء مقتاً، والبخل، ‏فإن صاحبه ليس بمعذور مع يده، والكذب، فإنه ليس لأحد أن يجاوره، والعنف في المحاورة، فإن ‏السّفه ليس من شأنها. وإني أتى إليّ رجلٌ نصح لي، ولم يكن مبلّغاً، فعاملته بضدّ ما يستحق، ‏وكافأته ما يستوجب. وما كان هذا جزاءه مني، بل كان الواجب أن أسمع كلامه وأنقاد لما يشير ‏به، ثم أنفذ في ساعته من يأتيه به. ‏




شرح بعض المصطلحات: ‏
استجاشوا: جمعوا ‏
الكراع: الدواب
خولوه: ملكوه
غرة: الاسم من الاغترار
أوغر: ملأه غيظا ‏
منتك: قوتك
التنكيل بك: معاقبتك بما يجعلك عبرة لغيرك
ارعوى : رجع عن رأيه ‏

Zeryab
09-10-2006, 04:08 AM
شكرا على الموضوع وإن شئت أستطيع رفع الكتاب كاملا بملف بي دي اف وهو موجود لدي .. أو تكملي بشكل متتابع .. وتحياتي

2at2ottaa
09-10-2006, 04:09 PM
شكرا لمرورك الكريم، بالعكس، لا مانع لدي من رفعه بشكل بي دي اف لأنه كتاب طويل وشيق يستحق القراءة،
وشكرا لك مرة اخرى
تحياتي

Zeryab
09-10-2006, 09:01 PM
هذا كتاب كليلة ودمنة وكما قالت قطقوطة بأن الكتاب رائع و يستحق القراءة

موقوف
30-10-2006, 03:16 PM
الف الف شكر وتسلم ايديك على هذا الكتاب الرائع يا اخى الكريم
بارك الله فيك

bnnota
21-02-2007, 05:45 AM
يوميا أتأكد من أنني قد اشتركت بمنتدي أقل ما يقال عنه أنه رائع شكرا للأخ العزيز زرياب علي هذا الموقع و شكرا لكل من يساهم بوضع معلومه أو شئ مفيد للآخرين ... كليله و دمنه من أهم كتب التراث الموجوده في عالمنا العربي فشكرا لك

Hollow_Knight
25-02-2007, 04:11 PM
شكرا ليكى يا قطقوطة
و شكرا على زوقك و حسن تصرفك يا زرياب يا خطيـــــــــر

eman_f
21-09-2007, 04:49 AM
شكرررررررررررررررررررررا جدا ليكى و جارى التحميل

alfred
23-11-2007, 09:49 PM
mashkooor 2a5i 2lkareeem