المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : كتاب السنباطي و جيل العمالقة


الأخطل
17-07-2007, 05:26 PM
السنباطي وجيل العمالقة

مقدمة

جيل العمالقة ..جيل زكريا أحمد و محمد القصبجي و محمد عبد الوهاب و رياض السنباطي و أم كلثوم وأسمهان و فريد الأطرش غربت شمسه ومضى في رحلة العمر ولم يبقى منه سوى ذكريات فنه الشامخ والمسرة التي صنعها للناس.
جيل العمالقة هذا الذي أرسى دعائم الغناء العربي في هذا القرن والذي ستعيش أجيال وأجيال على الثروات الفنية التي خلفها, سيظل العلامة البارزة في تراثنا الفني إلى الأبد.
رياض السنباطي (المحور الذي يقوم عليه هذا الكتاب) والذي غاب في أيلول /سبتمبر/عام 1981 في زحمة الأحداث وغفا إغفاءته الأخيرة كان آخر العمالقة الكلاسيكيين المبدعين . لم تجرفه فوضى التجديد الإرتجالي , ولم يجري وراء موجة الصراعات التي قامت على اللاشيء, واجتاحت إلى حين كل شيء دون أن تعطي ثمراً..رياض السنباطي هذا كان يحترم أسلافه الكبار, ويحترم العلم الذي جاؤوا به , والعطاء الذي بذلوا من أجل الإرتفاع بالفن الموسيقي والغنائي , وكان يقول :
من يستطيع أن يأتي بشيء بعد سيد الكل سيد درويش ؟!.

من احترامه لأسلافه الكبار ومن غنى عطاءاتهم تدفق إبداعه في كل ضروب الأغنية العربية , دون أن يخرج على قوالبها الفنية التي حمّلها
كثيرا من الضغط لتفي حاجات العصر,بدءاً من الأغنية الشعبية والطقطوقة ومروراً بالأغنية الدينية والمونولوج وإنتهاءً بالقصيدة التي يُعتبر سيدها المطلق.
من الصعب حصر أعماله في الأغنية العربية وتعدادها منذ أن مارس التلحين وإحترفه في أواخر عشرينيات هذا القرن , والتي - كما قيل - تربو على ألف عمل غنائي وموسيقي, وهي من كثرتها ستكون هدفا من أهداف هذا الكتاب بالإضافة إلى سرد جانب من جوانب حياته وحياة أهل الطرب , وإلقاء الضوء على فنه الشامخ , وفن العمالقة الآخرين الذين عاصروه حتى وقف معهم على قمة الغناء الكلاسيكي , متميزاً بمدرسته التي لا غنى عنها لأي ملحن يريد لشخصيته الفنية أن تكتمل , قبل أن يحتل المكانة المرموقة التي التي يصبو إليها.
على يديه تخلصت الأغنية العربية من إبتذالها , وعلى يديه إرتفعت بشاعرية قلما سما إليها ملحن عدا القصبجي ومحمد عبد الوهاب , وربما كان لقاء القمتين - القصبجي والسنباطي- في فترة زمنية واحدة وتعايشهما في نظرتهما المشتركة لمستقبل الأغنية العربية من العوامل التي دفعت إلى إزدهار فن الغناء العربي على أيديهما , إن في الأغنية الخفيفة والسينمائية أو في رومانسيات المونولوج والأغنية الطويلة أو في القصيدة التي شمخ بها بالذات السنباطي شموخا , جعلت الملحنين حتى الكبار منهم يهابون تلحينها خوفا من عدم الإرتقاء بها إلى سفح القمم السنباطية .
السنباطي في هذا الكتاب هو حياته التأليفية والعملاق الذي دخل محراب العمالقة بقوة فنة وشخصيته , وهو أيضاً دراسة لأعمالة و أعمال العباقرة الآخرين الذين دخلوا محراب عزلته دون أن يتمكنوا شرخها منهم : أم كلثوم , محمد القصبجي, زكريا أحمد , محمد عبد الوهاب , أحمد شوقي , حافظ إبراهيم , أحمد رامي , أحمد فتحي , مصطفى عبد الرحمن , فريد الأطرش ومطربون ومطربات وشعراء أغنية وزجالون وكلهم كان لهم نصيب عنده وكانت لهم حظوظ في ألحانه , وكانت له صداقاته معهم وكان لهم محن ومعارك دارت كلها في صمت من خلال الإرتقاء بالأغنية نصاً وأداءً ولحناً .
الكتاب يتحدث أيضاً من خلال السنباطي , عن دور العمالقة جميعاً في إزدهار الأغنية بدءاً من نزوح السنباطي في أواخر العشرينات من المنصورة إلى القاهرة , و مروراً من تلمس طريقه في القاهرة المزدحمة بمئات الملحنين والمطربين والمطربات , وبزوغ فنه شيئاً فشيئاً , وإنتهاءً بنجوميته والإقرار بعبقريته , وبما قدمه حتى حتى آخر يوم في حياته من أعمال لا نستثني منها الغض و العادي أو الرائع الخلاّق .
والكتاب بعد هذا , قسم إلى أجزاء إحتلت فيه الشكوك التي دارت حول عمره الحقيقي وولادته وإنتقاله من مسقط رأسه في فارسكور إلى المنصورة الجزء الأول وشغل نزوحه إلى القاهرة وسني أواخر العشرينيات الجزء الثاني , بينما خصصت الأجزاء الأخرى لعقود السنين كمراحل و محطات مشواره الفني , فإختصرت الثلاثينات بجزء والأربعينات بجزء آخر , وهكذا حتى رحاله عند مستهل الثمانينات التي أظلمت فيها القاهرة ومصر ودنيا العرب عندما خبا وإنطفأ النور في عيني ذلك العملاق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بألحانه طوال نصف قرن ونيف من الزمن.



المؤلف/صميم الشريف

الأخطل
18-07-2007, 12:49 AM
الجزء الأول

مرحلة العشرينيات

نسب السنباطي

شهدت بلدة فارسكو و هي قرية صغيرة هادئة تقع جنوب غربي دمياط حدثاً هاماً في أوائل هذا القرن، وهو ولادة الموسيقار الراحل رياض السنباطي و قبل أن نتوغل في مسيرة هذا الفنان الكبير و أعماله أحب أن أقف عند نسبه و تاريخ ولادته التي تم الاختلاف في تحديدها.

كفر سنباط

تعود نسبة اسم السنباطي إلى سنباط (1)، أو كفر سنباط و هو كفر عجيب ليس كــغيره من الكفور المتناثرة على أطراف القرى في الريف المصري .. إنه كفران كفر الغرباء و كفر الغجر ، و من كفر الغجر كانت تخرج الغوازي إلى كل مكان و عندما كنا يُِِسألن : من أين أنتن ؟! كُن يُجبن : من سنباط ..!

إلى سنباط هذه ، يرجع نسب رياض السنباطي، أما لماذا، و كيف كانت ولادته في فارسكور ، فتقول الروايات إن جده لأبيه، نزح إلى هذه القرية و استقر فيها، بعد أن طابت له أسباب العيش. و كانت " فارسكور " تفتقر إلى من يملكون صوتاً جميلاً لإحياء حفلات المولد النبوي الشريف و الأفراح الأخرى، كما كانت القرى المجاورة تجلب المنشدين من المنصورة، أو من " البندر " الحواضر الكبيرة، كي تملأ الفراغ الذي تشكو منه في مثل هذه المناسبات.

كان الشيخ محمد السنباطي والد رياض و فريد، هو أول من أحيا الموالد في هذا الضرب من الفن، و قد أورث ولديه العلوم التي يعرف، فنبغ فيها رياض من دون فريد ..

(1) راجع كتاب أم كلثوم و عصر من الفن صفحة 94، تأليف د. نعمات أحمد فؤاد.

الأخطل
18-07-2007, 12:51 AM
تابع الجزء الأول ...

تاريخ ولادة رياض السنباطي

تقول مجلة " آخر ساعة " إن رياض السنباطي ، ولد في فارسكور في العام 1906، و تقول " روز اليوسف " و مجلة " المجلة " إنه ولد في العام 1908 ، بينما لم تتفق أكثر الصحف و المجلات العربية على تحديد تاريخ ولادته تماماً، و إن أجمعت في معظمها على التاريخين المذكورين ، دون أن تأخذ ، بما ذكره السنباطي نفسه عندما حدد تاريخ ولادته بقوله :

ولدت في الثلاثين من مارس/آذار/عام 1911 ببلدة فارسكور .

و يقول " للنهار العربي و الدولي " (2) :

" ... أنا أعيش في القاهرة منذ خمسين سنة ، و عمري اليوم ثلاث و سبعون عاماً ... " .

و على الرغم من تباين تاريخ الولادة الذي حدده صاحب السيرة، بالنسبة لولادته في العام 1911، ثم بما رواه " للنهار العربي و الدولي " الذي يجعل تاريخ ولادته في العام 1907، فإن شكاً كبيراً يطرح نفسه حول تاريخ ولادته الحقيقي. و هذا الشك لا يأتي عفواً ، و إنما من رياض السنباطي بالذات ، الذي قال أيضاً إن لقاءه الأول مع أم كلثوم تم قبل لقائه بها بخمسة عشر عاماً. فإن كان اللقاء الثاني قد تم كما تثبته أغنية " على بلدي المحبوب وديني " في العام 1035، و هو تاريخ لا يقبل الجدل، فإن اللقاء الأول قد تم و عمر السنباطي على أساس ولادته في العام 1911 لا يزيد عن التسع سنوات، و هو أمر غير معقول. و إذا أخذنا بالتاريخ الثاني الذي يقول به ، لوجدنا عمره أحد عشر عاماً، و هو أيضاً أمر غير مقبول. و إذا نحن اعتبرنا التاريخين اللذين أجمعت عليهما الصحافة العربية، فإننا نجد أن عمر السنباطي كان عند لقائه الأول بأم كلثوم عشر سنوات، بالنسبة للتاريخ الأول، و مقبول نوعاً ما بالنسبة للتاريخ الثاني. و قد تكون الفترة الزمنية التي حددها السنباطي بخمسة عشر عاماً بين اللقاءين مبالغاً فيها بعض الشيء.

و إذا نحن تقصينا الحقيقة لوجدنا الاستاذ شفيق نعمة يقول في مجلة " الشبكة " :

إن السنباطي كان في الثلاثين من عمره عندما تم اللقاء الثاني بينه و بين أم كلثوم، و لوجدنا أن مجلة " روز اليوسف " تحدد هذا اللقاء في العام 1932. فإذا كان ما أورده الأستاذ " نعمة " صحيحاً ، فهذا يعني أن تاريخ ولادة السنباطي يقع في العام 1902، و هو أمر مشكوك فيه أيضاً، لأن وثائق معهد الموسيقى العربية في القاهرة، تثبت بما لا يقبل الجدل أن السنباطي التحق بالمعهد المذكور كطالب و مدرس في العام 1920، فلا يعقل و الحالة هذه أن يكون طالباً في المعهد المذكور، و هو على أبواب الثلاثين من سنين حياته .

و إذا عدنا لقول السنباطي المذكور آنفاً، و الذي صرح به في العام 1980 " للنهار العربي و الدولي " :

" أنا أعيش في القاهرة منذ خمسين عاماً و عمري اليوم ثلاثة و سبعون عاماً " لاكتشفنا أن السنباطي كان في الثالثه و العشرين من عمره عندما قطن القاهرة بصورة نهائية .

و إذا عنا إلى اللقاء الأول الذي تم بينه و بين أم كلثوم في محطة " قرين غربية " لوجدنا، كما يقول الأستاذ " نعمة " : مع السنباطي فرقته المكونة من العازفين ، و مع أم كلثوم و أبيها بطانتهما من " الرديدة " و أن الشيخ السنباطي قال لابنه رياض :

" هذه يا رياض أم كلثوم التي نسمع عنها الآن، و عن شهرتها الكبيرة " .

و عند ذاك تقدم منها رياض مسلّماً، و ترافقا في القطار حتى مدينة المنصورة، فودعها مع أبيه، بينما تابعت هي رحلتها إلى بلدتها " طماي الزهايرة " .

و الذين كتبوا عن هذه الواقعة، أسندوا الفرقة للسنباطي دون تحديد ما إذا كانت لرياض أم لأبيه، و لما كان الشيخ محمد السنباطي آنذاك، أحد أعلام الغناء و التلحين في المنصورة، و من المطربين الأوائل، الذين استبدلوا " بطانة الرديدة " بالعازفين، فمن الطبيعي أن يكون رياض مطرباً و عازفاً على العود في فرقة أبيه، و ليس كما قيل و كُتب من أن الفرقة الموسيقية كانت له. كذلك فإن حديث الشيخ السنباطي عن شهرة أم كلثوم آنذاك، يسمح باعتبار أوائل العشرينيات التاريخ الذي تم فيه هذا اللقاء، و هو يتفق مع ولادة السنباطي التي حددتها " روز اليوسف " بالعام 1908، كما يتفق مع عامي 1922 و 1923، و هو التاريخ الذي بلغ فيه رياض السنباطي الرابعة عشرة ، أو الخامسة عشرة من عمره ...

و في الحديث الذي أجراه الأستاذ سمير نصري (3) مع رياض السنباطي يقول هذا الأخير عن لقائه الأول بأم كلثوم ما يلي :

" ... في هذا الوقت، كان عمري اثني عشر عاماً أو ثلاثة عشر عاماً ... كنت لا أزال صغيراً، لا أدرك... كان صوتي فيه بريق و لمعة جميلة جداً، و كان والدي يأخذني معه إلى الأفراح، و كنت أغني معه ... يقول وصلة، و أنا وصلة، حتى الفجر .. فاشتهرت شهرة جميلة في الضواحي – يقصد ضواحي المنصورة – و في هذا المكان بالذات كان أول لقاء لي مع أم كلثوم .. كان في محطة اسمها " قرين " بلد " البدراوي باشا عاشور " هذا الرجل الذي كان يملك خمسة و أربعين ألف فدان .. تصور .. يملك خمسة و أربعين ألف فدان ..! في هذه البلدة التقيت أم كلثوم .. كانت عائدة من فرح أنشدت فيه المولد النبوي .. كانت تقرأ المولد لابسة العقال ... و أنا راجع من فرح ، فتقابلنا و نحن ننتظر القطار، و كنا طفلين، لكنها كانت تكبرني بخمس أو ست سنوات، كانت وقتها في السادسة عشرة أو السابعة عشرة .. و بزغ اسم أم كلثوم، و اسمها أصبح يتردد على كل لسان، لدرجة أني شعرت بالغيرة. كيف أم كلثوم هذه تلمع ، و أنا ... " .

لقد حدد السنباطي جازماً أنه كان في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره، عندما التقاها لأول مرة، فإذا كان لقاؤه الثاني قد تم في العام 1932، فهذا يعني أن اللقاء الأول تم في العالم 1917، و إذا أخذنا بما قاله عن عمره آنذاك فيكون تاريخ ولادته على هذا الأساس في العام 1905، و لما كانت أغنية " على بلدي المحبوب " التي لحنها ظهرت في العام 1935، و بعض النقاد يرجحون العام 1934، فهذا يعني أن اللقاء الثاني تم في أحد هذين العامين، و بالتالي يكون تاريخ ولادة السنباطي في العام 1908 أو في العام 1909.

إذا نحن ناقشنا بعد هذا قول السنباطي حول الفترة الزمنية بين اللقاءين، لوجدنا أن هذا القول الذي أدلى به بعد وفاة أم كلثوم فيه الشيء الكثير من المغالاة. لأن محاولة استرجاع الذكريات الخاصة في سن متأخرة، تكون باهتة، و تلعب فيها حسابات الخطأ و الصواب بالنسبة لمشكلة تراكم الزمان بما فيه من وقائع و أحداث، و من هنا فإن تحديد السنباطي للفترة الزمنية بين اللقاءين بخمسة عشر عاماً لا يؤخذ به كثيراً، إذ تلعب العفوية دورها في الإجابة، فتنطلق على عواهنها، دون تحديد مسبق، اللهم إلا إذا كان متأكداً من ذلك، و عند ذاك يكون من موالد العام 1902. و أغلب الظن أن السنباطي شط به الخيال عندما سُئل في ذلك، لتراكم السنين و الذكريات بعضها فوق بعض، فجعل السنوات التسع أو العشر، القائمة بين اللقاءين و التي تؤكد ولادته في العام 1908 أو 1909 خمسة عشر عاماً. و من الواضح أن هذا التاريخ يتناسب مع تاريخ اللقاء الأول، و هو العام 1921، أو العام 1922 اللذين يتناسبان بدورهما مع عمر السنباطي، كعازف و مطرب من جهة، و مع نزوح أم كلثوم النهائي إلى القاهرة، و بدء حفلاتها الغنائية في العام 1924. و مهما حاولنا سبر الحقيقة فلن نصل إليها على الإطلاق، و طالما قال السنباطي نفسه إنه ولد في الثلاثين من آذار عام 1911، و هو الإنسان الفنان الذي اشتهر بأخلاقياته، و ظل صادقاً مع نفسه، حتى اخترمته يد المنون، فلماذا لا نصدقه فيما ذهب إليه؟ و نحاول أن نجد له ميلاداً جديداً، من وراء المفارقات و الذكريات و الكتاّب الذين كتبوا عنه ما كتبوا، و أنا منهم .!

(2) راجع مجلة النهار العربي و الدولي – العدد 158 أيار \ مايو \ 1980 .
(3) راجع النهار العربي و الدولي – العدد 108 أيار \ مايو \ 1980 .

الأخطل
18-07-2007, 12:57 AM
تابع الجزء الأول ...


من فارسكور إلى المنصورة

كان فرح الشيخ محمد السنباطي بولادة ابنه رياض كبيراً، حتى إنه أحيا مولداً، دعا إليه جلّ أهل قرية " فارسكور " فتلا بصوته الرخيم قصة المولد النبوي الشريف، و أنشد العديد من المدائح النبوية.

و الشيخ محمد السنباطي، كما يذكر عارفوه و معاصروه، كان عازفاً على العود و مطرباً يتكسب من الغناء في الموالد و الأفراح و المناسبات الدينية، و يحفظ ثروة كبيرة من الألحان و الأناشيد الصوفية، و الموشحات و الأدوار، و صديقاً للمطرب عبد الحي حلمي، و الشيخ علي القصبجي(4) و الشيخ السيد صفتي ز كان يلتقيهم، و يجتمع إليهم، و يسهر معهم، كلما دفعه الحنين إلى زيارة القاهرة.

لم يستقر الشيخ محمد السنباطي طويلاً في بلدة " فارسكور " لأن أعباء الأسرة كانت أكبر من دخله المتواضع الذي كان يجنيه من قراءة القصص النبوية الشريفة في الموالد و الأفراح، أو من الغناء و العزف في فارسكور و القرى المجاورة لها. لذا فكر بالهجرة منها و النزوح إلى القاهرة. غير أنه أقلع عن ذلك في آخر لحظة، عندما أدرك أنه لن يستطيع شيئاً أمام دهاقنة الغناء و التلحين، الذين يسيطرون على كل شيء فيها، و كان صيته كعازف مجيد على العود، و كمطرب يملك صوتاً جميلاً، قد ملأ أسماع المنصورة التي سبق له و أحيا فيها عدداً من الحفلات، كما أن ميل الناس فيها إلى عزفه، و الإقبال على غنائه، و الاستماع إلى فنه المتقن قد ملأه حباً بالمنصورة، فحزم أمره، و قرر النزوح بأسرته إليها، و كله أمل في مستقبل مشرق باسم.

(4) الشيخ على القصبجي والد الموسيقار الراحل محمد القصبجي .


الأسطه حسن و الأستاذ شعبان


اشتهرت المنصورة منذ القديم بكرمها و جمالها , وجمال نسائها , وبحبها للفنانين وأهل الطرب , وما تزال المنصورة حتى اليوم تتمتع بشهرة واسعة في هذا المضمار , حتى قيل أن مشاهير الفنانين الذين تبؤوا مكانة مرموقة على المدى هم من المنصورة أو مروا فيها ونهلوا منها وهم في طريقهم إلى المجد .
إستقر الشيخ محمد السنباطي في المنصورة والحرب العالمية على وشك أن تضع أوزارها , وكان رياض قد بلغ الثامنة من عمره عندما ألحقه أبوه بمدرسة الحي الإبتدائية التي كان لا يشغله عنها في ذهابه وإيابه منها سوى ذلك النجار المعروف بإسم الأسطه حسن الذي تقع دكانه في طريق المدرسة , والذي دأب على الطنطنة بالعود أكثر من الإشتغال بمهنته . فيقف منصتاً لعزفه مدهوشاً بعض الوقت , ثم يقفل عائداً إلى البيت ليجرب ماإستمع إليه على عود أبيه , وحين بلغ التاسعة من عمره كان ما تعلمه من الأسطه حسن حافزاً للسعي وراء المزيد من المعرفة , وكانت صداقته للأسطه حسن التي بدأت بالنظر والإستماع قد أخذت تتوطد يوماً بعد يوم , حتى أنه صار يهرب من المدرسة ليتعلم منه ما يعرف ..إن ذكرى هذا النجار ظلت ماثلة في خيال رياض حتى آخر أيامه وكان يذكره بالحسنى دون أن ينسى الإشارة إلى عزفه السيئ والركيك .
وفي حديث صحفي أجرته معه لمجلة "أهل الفن" للأستاذ يوسف شهدي (5) عام 1954 يروي رياض السنباطي معه الحادثة فبقول :
" في سن الثامنة رحلت مع والدي من فارسكو إلى المنصورة وحدث لي مايحدث عادةً لكل هاو للفن ... كنت أهرب من المدرسة إلى دكان نجار من هواة العزف على العود وهكذا تلقيت دروسي الأولى في الفن على يد الأسطه حسن في ركن من الورشة , وفي وسط الضجيج , وفي بيئة كادحة .. وكان والدي موسيقياً محترفاً, برع في العزف على العود ويعتبر من البارزين في علوم الموسيقى....


(5) مجلة أهل الفن – العدد الخامس – تاريخ أيار /مايو/ 1954 "رياض السنباطي يصنع سيمفونية البعث "حوار يوسف الشهدي.

وعلى الرغم من مشاغل الأب الشيخ بالحفلات , كان يجد لديه متسعاً من الوقت للإهتمام بأسرته ,وخاصة رياض , الذي لفت إنتباهه أكثر من مرة بشغفه بالعود , ومحاولاته المبتسرة في أداء الكثير من الألحان الشائعة , فأولاه بعض العناية , وإشترط عليه حفظ القرآن الكريم والقصائد الدينية والمدائح النبوية , ليعطيه دروساً جادةً على العود .
وهكذا أخذت دروس الشيخ محمد لإبه تتخذ طابعاً جدياً في أعقاب كل سورة يحفظها أو قصيدة يرددها غيباً , وكان التفوق في المدرسة والنجاح المستمر من الشروط الأساسية التي فرضها الشيخ على أسرته , والذي أورث إبنه ذلك , حتى عرف به , وإشتهر فيه .
ولكن أبى رياض أن ينجح في المدرسة والموسيقى تشغل كل مشاعره و أحاسيسه .
كانت تدريبات الشيخ محمد السنباطي مع فرقته وبطانته "من الرديدة " تتم في البيت , وكانت هذه تتيح لرياض إشباع نهمه بالموسيقى , فكان يتلقف كل شيء ويحفظ كل شيء دون أن يدرك أن ما يحفظه من الموشحات وأدوار ومدائح وأغاني شائعة هي المفاتيح التي ستقوده إلى المجد الذي لم يكن يفكر فيه قدر تفكيره بأن يصبح مطرب المنصورة الوحيد .
في هذا الجو الموسيقي البحت كانت موهبته تتنامى لتقف أمام علوم الأب عاجزةً .. لقد حفظ أجزاء من القرآن بقراءاته السبع وأتقن أصول التجويد وإلتهم كل معلومات أبيه الموسيقية وهو لا يزال بعد ُ في العاشرة من عمره , وأدرك الأب الشيخ أن عليه أن يرعى موهبة إبنه الذي يطلب المزيد . فأخذ يلقنه الموشحات والأدوار القديمة الشهيرة لمحمد عثمان وعبده الحامولي والقباني والشيخ المسلوب . ثم عهد به إلى مدرس معروف ليدرسه العزف على العود, وهو الأستاذ محمد شعبان الذي يعمل مدرساً للموسيقى في مدارس المنصورة الإعدادية . ولكن هل إستطاع رياض أن يوفق بين المدرسة وكل هذه الأمور ...؟!
يقول رياض السنباطي (6)

(6) المصدر السابق

"في سن العاشرة أصبت بمرض في عيني حار الطبيب المعالج في تشخيصه وأخيراً إكتشف أنه مرض عصبي لا علاج له . إلا التجول في البلاد .. وهكذا قدر لي أن أترك المدرسة وأن أصاحب والدي في رحلاته إلى الأقاليم, وبعد إلحاح قبل والدي أن أغني في بعض الحفلات . وأذكر بأني بدأت بأغنية كانت مشهورة في ذلك العهد , مطلعها "ناح الحمام والقمري على الغصون " ثم ثنيت بأغنية لداود حسني مطلعها " أنا أعشق في زماني ".
ويتابع السنباطي فيقول :
"وشهدت المنصورة فرقة موسيقية يتوسطها طفل صغير ,ثم أخذت هذه الفرقة في التجوال من قرية إلى قرية , لتحيي الحفلات والأفراح في بيوت الأعيان , مرة نظير أجر ضئيل متواضع ومرات في سبيل الفن . في هذه الفترة عهد بي أبي إلى الأستاذ محمد شعبان لكي أتلقى على يديه أصول العزف والغناء".
كانت فرحة رياض السنباطي بهجر المدرسة نهائياً أكبر من فرحته بموافقة أبيه , فقد إستطاع أخيرا أن ينصرف كلياً إلى الموسيقى والغناء اللذين يملكان عليه كل مشاعره وأحاسيسه , وسيلازم منذ الآن أباه في حله وترحاله .
وفي تلك الفترة من حياته أراد رياض أن يخفف عبء المصاريف عن أبيه فعمل صانعاً , أو كما يقول رياض السنباطي نفسه : "صبي منجد " في محاولة منه للإعتماد على نفسه في تسديد أجور أستاذه , لأن إيرادات الحفلات الضئيلة كانت لاتكفي لتسد رمق الأسرة ومتطلباتها الضرورية . ولكن أباه الذي هزه هذا الأمر , وبّخ إبنه وردّه إليه, وإستمر كعادته في تسديد نفقات المدريس شعبان الذي يدين له رياض بتلك المهارة في العزف على العود .
إكتشف الأب الشيخ صوت إبنه الرقيق الدافئ في الحفلات التي كان يشاركه الغناء فيها , ولما كان الأب قد عانى من ظروف مهنته الشيء الكثير , فقد أراد لأولاده مهناً أخرى غير الموسيقى . كان يريد لهم أن يستمروا في المدرسة ويحلم بأن يصبحوا من أصحاب الشأن في وظائف الدولة , وأن يفخر بهم في مجالسه وبين أصدقائه ومعارفه , وعندما هم بإعادة رياض إلى المدرسة إستعان هذا مع أخيه "فريد السنباطي " الذي أصبح فيما بعد عازفاً على القانون , بأمهما على الأب الشيخ , فإستطاعوا جميعاً أن يقنعوه بالعمل معه , فإستسلم على مضض ورضخ , فرياض أصبح عازفاً ومغنياً على الرغم من صغر سنه و فريد (7) سيغدو هو الآخر عازفاً بارعاً على القانون , فماذا لو إستعان برياض على الأقل لأداء بعض ألحانه , وفي إعتماده عليه ,أكثر مما يعتمد عليه الآن في الحفلات التي يحييها ؟! ثم ماذا لو عبّد الطريق أمام رياض وقدمه لأهالي المنصورة كمطرب ناشئ ؟! إن صوته جميل وحسه مرهف وعزفه جيد , كل هذا يضمن نجاحه . وهكذا عزم الشيخ الأب أن يفسح الطريق ويتنحى شيئاً فشيئاً أمام الموهبة الجديدة لتتألق في سماء النصورة ..
إكتملت ثقافة رياض السنباطي الموسيقية التقليدية بفضل أبيه الذي علمه ما يعرف من فنون الألين والمعاصرين , وبفضل محمد شعبان الذي لقنه أسرار العود والغناء , حتى غدا عازفاً بارعاً متميزاً له خصائصه وشخصيته ومطرباً ينتظره مستقبلاً سعيداً

(7)فريد زار القطر العربي السوري وله بعض الألحان.

الأخطل
19-07-2007, 11:53 PM
تابع الجزء الأول

بلبل المنصورة

عندما إستقر الشيخ محمد السنباطي في المنصورة أقلع نهائياً عن إحياء الموالد , وكون فرقة موسيقية صغيرة كان هو عمادها بالذات , وإنصرف من خلالها إلى التلحين والغناء حتى غدا أفضل مطرب وملحن فيها . وكان يلبي جميع الأفراح الخاصة والعامة في المنصورة أو في ضواحيها لقاء أجرمعلوم , فيغني بعضاً من ألحانه, إلى جانب ألحان المشاهير من معاصريه . غير أن إصراره على البقاء في المنصورة قصر شهرته عليها وعلى جوارها من حواضر الريف المصري , وبرغم هذا كان معروفا في القاهرة والإسكندرية معرفة تامة لشيوع ألحانه وتقديمها من قبل بعض المشتغلين بالموسيقى والغناء من أصدقائه.
كان الشيخ محمد السنباطي في أوج عصره في المنصورة عندما قدّم إبنه رياض ليغني بعده في إحدى الحفلات وكانت دهشة المستمعين الذين حضروا الحفلة كبيرة , فهم لم يتوقعوا من الفتى رياض أن يغني بصوته الرقيق الهادئ أعمالاً لداود حسني ومحمد عثمان . ويتحدث السنباطي عن تلك الأيام السعيدة فبقول :
"في ذلك الوقت كان عمري إثني عشر أو ثلاثة عشر عاماً ..كنت لا أزال صغيراً لا أدرك . كنت أغني مع أبي حتى الفجر ..بغني من تلحين محمد عثمان وداود حسني وإبراهيم القبالي والجماعة دول , فإشتهرت شهرة كبيرة في المنصورة حتى لقبوني ببلبل المنصورة .. ومن الأغاني التي كنت أغني (ناح الحمام والقمري على الغصون) وأغنية لداود حسني (أنا أعشق في زماني) مع موشحات كثيرة علمني إياها والدي رحمه الله , أذكر منها موشح (8) :
قد حركت أيـــــــــدي الـــــــــــــــنسيم تلك الــــــغصون الميـــــــــــــــــــاسي
فانهض وبـــــــــــــادر يانديــــــــــــــم إلى رياض السنـــــــــــــــــــــــــــدسي

(8) هذا الموشح من ألحان الشيخ زكريا أحمد

هكذا أخذ رياض السنباطي الذي دأب على غناء ألحان أبيه وغير أبيه من المشاهير , يشق طريقه إلى الناس من خلال الحفلات الكثيرة التي يُدعى لإحيائها , سواءً في المنصورة أو في القرى المحيطة بها أو الأخرى البعيدة التي تقع على خط سكة الحديد .
كانت تلك السنوات من أسعد أيام صباه , كان يهزه التصفيق الطويل والهتاف المُلح , لإستعادة العزف والغناء ..كان ساحراً في العزف وشاعراً في الغناء ,غير أن أحلامه ما كانت تستطيع المنصورة ونواحيها وحواضرها إستيعابها .. كانت أحلامه تتجه دوماً إلى القاهرة التي يتربع على عرش الطرب فيها أعلام لايستطيع مفارعتهم ..لقد أطلق عليه الناس في المنصورة إسم بلبل المنصورة فلماذا لايغرد هذا البلبل في القاهرة ؟ .. بل لماذا توقف فجأة عن الغناء بعد أن حزم أمره على الإنتقال إلى القاهرة ؟!.
يقول رياض السنباطي في حواره مع الأستاذ يوسف شهدي حول ذلك مايلي (9):
" ثم مرضت مرةً ثانية ... وكان المرض في هذه المرة التيفوئيد .. وطال المرض وإشتدت الحمى ثم شاء ربك أن ينعم علي بالشفاء , ولكني ما كدت أسترد صحتي , حتى فاجأت أهلي مفاجأة أذهلتهم , إذ قررت عدم العودة إلى الغناء ,لأني شعرت أن المرض أفقد صوتي الكثير من طراوته ونعومته ..نعم , إلى هذا الحد أوصلني التيفوئيد" ...
(9) المصدر السابق

نزوح السنباطي إلى القاهرة

كانت بداية النزوح إلى القاهرة تلك الرحلات القصيرة التي تعرف فيها على أهل الفن بواسطة أبيه , والمسارح التي شاهد فيها (منبرة المهدية) وهي تمثل وتغني و (فتحية أحمد) تملأ دنيا الطرب و( نادرة الشامية ) تهز الناس بجمالها وصوتها و(صالح عبد الحي) العريق بفنون الطرب و (عبد اللطيف البنا) الذي كان سيد الغناء و الأصوات .. لقد أدرك أن مكانه بين هؤلاء وليس في المنصورة , وهكذا قرر بينه وبين نفسه الهجرة إلى القاهرة في أول فرصة مناسبة , وكان عليه أن ينتظر عامين قبل أن تسنح له الفرصة . ففي عام 1930 أعلن معهد الموسيقى العربية في القاهرة عن مسابقة في الغناء , تتيح للفائز فيها أن يدرس الموسيقى وأصول الغناء على نفقة المعهد وكان رياض آنذاك في الثالثة والعشرين من عمره , فتقدم مع المتقدمين وفاز بالجائزة الأولى بعد أن أذهل اللجنة الفاحصة بعزفه و غنائه , وعلى أثر هذا الفوز و نتيجة للإختبار الشديد الذي تعرض له رياض عزف على العود , قرر مجلس إدارة المعهد قبول رياض طالباً في المعهد بقسم الغناء ومدرساً لآلة العود لطلاب السنة الأولى.

الأخطل
19-07-2007, 11:57 PM
معهد الموسيقى العربية

يقول رياض السنباطي (10):

جئت إلى القاهرة وتقدمت إلى إمتحان معهد الموسيقى العربية , وخرجت أنتظر النتيجة ..ثم كانت المفاجأة , أنني لم أنجح كتلميذ بل قبلتني اللجنة كأستاذ للعود في المعهد...".

كانت النتيجة أكثر مما يحلم به فالمعهد لن يكتفي بتغطية نفقات دراسته فحسب , بل سيعطيه راتباً لقاء تدريس العود, سيسد به دون شك جانباً كبيراً من نفقات إقامته في القاهرة , التي تتطلب مصاريف خاصة لا طاقة له بها , وكان تأثير الأستاذ حسن أنور (11) الذي أعجب بعزف رياض وغنائه عاملا كبيراً في قرار تعيينه أستاذاً لآلة العود في المعهد المذكور .

(10) المرجع السابق .
(11) حسن أنور – موسيقي وشاعر , نظم لمحمد عبد الوهاب دور "أحب أشوف كل يوم ".

لقاء السنباطي بمدحت عاصم

إهتم رياض خلال دراسته في معهد الموسيقى العربية بالتدوين الموسيقي إهتماماً كبيراً. حتى أن الفنان السوري المعروف جميل عويس الذي كان مدرساً للتدوين ومعلماً لآلة الكمان قال عندما أعياه إلتهام رياض لهذا الضرب من العلم الموسيقي :
" لم يبقى عندي ما أعلمه لهذا الشاب.!

أما الأديب حسن أنور (وهو المشرف على فرقة الموشحات ) فقد أسند إلى رياض مهمة قيادة فرقة الموشحات بعد أن إكتشف معرفته الواسعة لعشرات الموشحات وإتقانه المطلق لمختلف ضروبها وأوزانها , إضافةً لفن الدور الهام والأساسي في الحفلات الغنائية . كل هذا بعد أشهر من إنتساب رياض للمعهد.
ويقول رياض السنباطي عن سبب إسناد أمور هذه الفرقة إليه ما يلي:
"...إن الموسيقي الذي علمني فن الموشحات والأدوار وجعلني أحتل هذه المكانة في المعهد هو المرحوم والدي ,أما الأستاذ حسن أنور فأدين له بالفضل لأنه عرف كيف يجعلني أستفيد من المعلومات التي أعرفها وأضعها في الموضع الصحيح ".
ولكن هل كانت إنطلاقة رياض الفنية من المعهد الذي إنتسب إليه , وأصبح فيه خلال فترة قصيرة مدرساً بارزاً؟! الجواب على هذا نجده عند الموسيقار الكبير مدحت عاصم الذي قال عن بدايات معرفته برياض مايلي:
".... جاء السنباطي إلى القاهرة في نهاية العشرينيات , وتعرف عليه في الطريق ..كان بصحبة المطرب محمد الصادق ودفعني الفضول لأن أشترك معهما في الحديث , فقد كان حديثهما عن الموسيقى , لذا إعتبرت نفسي طرفاً في الحديث , وطال بنا الحديث وإمتد حتى إنتقلنا إلى بيت السنباطي , وكان الوقت بعد العشاء ,وظللنا تلك الليلة ننهل من عزفه حتى الصباح . وبعد يومين إتصلت بالمسؤول في شركة إسطوانات "أوديون" وهو يهودي مصري يدعى (ليتو باروخ) وطلبت منه الإتفاق مع فنان موهوب على تلحين عدد من الأغاني لعدد من المطربين و المطربات فقبل وإتصل به وإتفق معه على تلحين عدد من الأغنيلت لكل من نجاة علي , أحمد عبد القادر , محمد صادق وعبد الغني السيد .
إن( ليتو باروخ) لم يأخذ برأي مدحت عاصم إلا بعد أن إستمع للسنباطي نفسه وهو يغني من شعر علي محمود طه قصيدة "يامشرق البسمات أضيء ظلام حياتي".
تقول السيدة حورية المانسترلي إبنة حسين المانسترلي مدير شركة بيضافون للإسطوانات ما يلي :
"أول لحن سجله السنباطي بصوته عند قدومه للقاهرة كان لشركة بيضافون في موسم الحج وكانت أغنية "إمتى نعود يا نبي" بالإضافة إلى عدة أغنيات لقاء أجر قدره جنيه واحد للإسطوانة وكان يتقاضى نصف جنيه مقدماً والنصف الثاني عند إنتهاء التسجيل ".

هذا القول للسيدة حورية المانسترلي لا تؤيده الوقائع إذ من المعروف أن أغنية "إمتى نعود يانبي" المعروفة بإسم "عودة الحجاج" سجلت بصوت المطرب أحمد عبد القادر لحساب شركة أوديون ولا يوجد تسجيل آخر لها بصوت السنباطي , وربما كانت السيدة حورية تقصد بقولها أغنية أخرى سجلها السنباطي فعلاً لحساب شركة بيضافون , وإذا إفترضنا أن قول السيدة حورية صحيحاً, فهو يناقض قول مدحت عاصم الذي سعى إلى عقد إتفاق مع (ليتو باروخ) مدير شركة أوديون الألمانية للإسطوانات , لتسجيل ألحان عبد القادر ونجاة علي و عبد الغني السيد ومحمد صادق منذ أواخر العشرينيات , وهذا التاريخ يسبق إنتساب السنباطي لمعهد الموسيقى , فإذا أضفنا إلى هذا أن الأغنية المذكورة ظهرت قبل لقاء السنباطي بأم كلثوم عام 1934 وهو العام الذي بدأ يلحن فيه لأم كلثوم , فنستطيع أن نؤكد وقف ألحانه منذ عام 1930 على شركة أوديون دون غيرها , وإستمر في ذلك حتى منتصف الأربعينيات , وعندما أخذت أم كلثوم تسجل ألحانه على إسطوانات شركة كايروفون التي أسسها محمد عبد الوهاب الذي كان قد أوقف ألحانه على شركة بيضافون .
وزيادة في الإيضاح , لتبرير التناقضات حول العقود مع شركات الأسطوانات , كان الملحن يعقد إتفاقاً مع أحد الشركات على عدد من الألحان فإذا إنتهى من تسجيل الألحان المطلوبة أصبح العقد لاغياً , وبالتالي يحق للملحن إما تجديد العقد إذا إرتأت الشركة ذلك, أو يتعاقد مع شركة أخرى , ومن هنا كان إتفاق السنباطي مع شركة بيضافون محدوداً , وإنتهى بنهاية تسجيله الأغنيات المطلوبة منه , وماحدث بالنسبة لشركة بيضافون , وقع له مع شركة أوديون التي عادت ووقعت عقداً جديداً بعد إنتهاء عقده مع بيضافون.

ألحان السنباط البكر

أولى ألحان السنباطي التي ظهرت قبل إنتسابه لمعهد الموسيقى العربية في العام 1930 لاتزيد كثيراً عن أصابع اليد الواحدة , ولكنها لفتت الإنتباه مع قلتها إلى الوافد الجديد على دنيا الطرب , فغنى له عبد الغني السيد مونولوج (عذابي يا منايا) وقد غناه السنباطي فيما بعد , وكذلك غنت له المطربة نجاة علي لحنين من ألحانه.
يقول الأستاذ جبرائيل سعادة في الكتيب الخاص الذي وضعه خاصةً عن السنباطي , ونشرته مجلة الضاد السورية حول العقد الذي وقّعه السنباطي مع شركة أوديون مايلي:
"...حدث أن مدير شركة إسطوانات أوديون سمعه في أول لحن له , وهو الذي وضعه لقصيدة من تأليف (علي محمود طه) مطلعها "يا مشرق البسمات أضيء ظلام حياتي " فأعجب به , وعهد إلى الملحن الناشئ بتلحين بعض الأغاني الخفيفة , لعدد من المطربين أمثال : نجاة علي و أحمد عبد القادر و عبد الغني السيد و محمد الصادق .."

هذا القول للأستاذ جبرائيل سعادة يتفق مع ماذهب إليه الموسيقار مدحت عاصم وإن إختلفت الصورة في بعض ملامحها , وإتفقت في مضمونها عموماً , وإلتقت في الوقت نفسه مع ما رواه السنباطي حول هذا الموضوع عندما قال:
".... ثم بدأت أتحسس طريقي في القاهرة المزدحمة والمتخمة بالعازفين والمغنين و الفنانين , حتى سمعني مدير شركة أوديون حينئذ و أنا أغني أول مقطوعة لحنتها بنفسي وكن مطلعها (يا مشرق البسمات أضيء ظلام الليل ) وهي من تأليف الشاعر العاطفي الكبير علي محمود طه , فعهد إلي بتلحين بعض الأغاني الخفيفة لشركته , ولحنت حينئذ لأحمد عبد القادر طقطوقة (إن حكيت بتضحكي وإن شكيت بتشتكي) ولعبد الغني السيد (دلالك في الهوى).

إنصرف السنباطي منذ ذلك الوقت إلى التلحين وفي الوقت نفسه أخذ يتصل بالملحنين الذين كانوا يلحنون لمنيرة المهدية و نادرة الشامية وفتحية أحمد و نعيمة المصريه وحياة صبري وسعاد محاسن و ملك و عقيلة راتب و يشارك في حفلات المعهد الشهرية وفي الحفلات المعهد و في الحفلات الخيرية الخاصة , وقد ساعده هذا على ذيوع إسمه و إنتشارة في الأوساط الفنية و غير الفنية , وإشتهر كعازف عود أكثر من إشتهاره كمطرب و ملحن , وإذا علمنا أن الأغاني في تلك الفترة الزمنية كانت تضفي الشهرة والمجد على المغني وحده من دون الملحن لأدركنا المعاناة التي كان الملحنون يعانون منها بعيداً عن الأضواء . تقول د.نعمات أحمد فؤاد(12) :
أن كل أمل السنباطي في العام 1928 هو إن يرتفع أجره عن الملحن الواحد إلى عشرة جنيهات.

هذا القول يدل دلالة صريحة وقاطعة على أن السنباطي كان في القاهرة قبل العام 1930 وهو تاريخ إنتسابه للمعهد الموسيقي , وأن ألحانه بدأت تظهر للناس منذ ذلك التاريخ . وهذا القول يتفق مع ما رواه مدحت عاصم عن لقائه بالسنباطي في أواخر العشرينيات .


(12) راجع كتاب أم كلثوم و عصر من الفن – تأليف د.نعمات أحمد فؤاد

انتهى الجزء الأول

الأخطل
20-07-2007, 12:00 AM
الجزء الثاني

مرحلة الثلاثينيات


فيلم إنشودة الفؤاد


في العام 1929 إتصلت به المطربة نادرة الشامية (1) وطلبت منه أن يشارك في تلحين بعض أغاني فيلم "إنشودة الفؤاد" الذي ستضطلع فيه بدور البطولة إلى جانب الممثل الكبير "جورج أبيض" ويعتبر هذا الفيلم الذي وضع قصته وكتب حواره وأغانيه "عباس محمود العقاد" أول فيلم عربي غنائي ظهر في السينما المصرية . لحن أغاني الفيلم المذكور عدد من مشاهير الملحنين آنذاك , يأتي في مقدمتهم : الشيخ زكريا أحمد ,داود حسني, د.أحمد صبري النجريدي أحمد الشريف , رياض السنباطي .

لحن السنباطي في الفيلم أغنية واحدة هي " تتباهى بالدمع يجري من عيني "


تتباهى بالدمع يــجري من عيني وتأسي قلبــك
وكل ما أكتم في سري يفضحني بعدك وصدك
أوصل مسايا بصباحي والبدر يشهد علـــــــــي
وتراعي ذلي ونواحي ما ترحميش ليه عينـــي
إيه يجري او تسعديني بلحظة منك هنيــــــــــه
بالوصل يوم ترحميني بزيارة منك أسيـــــــــه
يا ربي قلبك ياروحــي يجرب العشق فيـــــــه
وتدوقي نار المحبـــــة وترقي لدموع عينيــــه

أجمل ألحان هذا الفيلم كانت لزكريا أحمد , وقد برز منها بصورة خاصة بيت شعري مسبوق غناءً بكلمة يا ليل (ليالي) من مقام الصبا ..هذا البيت أصبح على كل شفه و لسان و مازال يضرب به المثل في التلحين :

يقولون ليه في العراق مريضة ياليتني كنت الطبيب المداويا




(1)الإسم الحقيقي لنادرة الشامية هو "أناسي زخاريان" وهي مطربة أرمينية جميلة جداً وقع في هواها العديد من الشخصيات الهامة في سوريا ومصر .



الصراع على قمة الغناء المطربات


أم كلثــــــــــــــوم وعبد الوهـــــاب

كان الصراع على قمة الغناء بين المطربات عند ظهور هذا الفيلم في العام 1931 على أشده بين منيرة المهدية وفتحية أحمد , وكانت شهرة أم كلثوم التي بدأت حفلاتها المضطربة في القاهرة منذ العام 1924 تنمو شيئاً فشيئاً في ظل هذا الصراع .
لقد سجل الفيلم عند ظهوره سبقاً سينمائياً وغنائياً لنادرة على زميلاتها ورفع من شأنها , الأمر الذي دفعهن إلى الإتصال بملحني الفيلم الذين سبق لهم وأن لحنوا لهن الكثير من الأغنيات , عدا السنباطي الذي لم يلحن لأي واحدة منهن عدا (نادرة) , فعمدن إلى الإتصال به أيضاً , وكانت منيرة المهدية المتربعة على عرش الغناء في ذلك الوقت , السباقة إلى ذلك , فطلبت منه أن يلحن لها أوبريت , فلحن لها خلال بضعة أشهر أوبريت "عروس الشرق" التي أحرزت عند عرضها الأول نجاحاً منقطع النظير . ولم يقف الأمر عند منيرة المهدية , فسارعت فتحية أحمد ومن ثم نادرة الشامية فطلبتا منه تلحين عدد من الأغنيات , فلم يتوان عن ذلك , كذلك طلب منه المسرحي الكبير جورج أبيض تلحين أوبريت "آدم وحواء) الذي ستشاركه البطولة في المطربة نادرة فأنجزه في وقت قصير , وكان الأوبريت من تأليف يونس القاضي .
أم كلثوم التي كانت ترقب ذلك الصراع منذ وطئت قدماها القاهرة , وتهفو إلى القمة إستسلمت لشروط الفنان الكبير الراحل محمد القصبجي , وأسلست له قيادتها منذ عام 1925 ( أي قبل وفاة أبي العلاء محمد بعامين) ونفذت ما طلبه حرفياَ , وأنفقت في الحدود التي تستطيع , فإستبدل القصبجي فرقة المنشدين بفرقة موسيقية(تخت شرقي ) قوامها أعلام العازفين آنذاك (محمد العقاد الملقب بالكبير على القانون , سامي الشوا على الكمان , محمد القصبجي على العود , محمود رحمي على الإيقاع ) وإنتقى النخبة من الملحنين , منهم من سبق ولحن لأم كلثوم كالشيخ أبي العلاء محمد والدكتور صبري النجريدي و داود حسني و ومنهم من كان يتوق للتلحين لها كالشيخ زكريا أحمد و محمد القصبجي نفسه , وإختار لها مسرح (دار التمثيل العربي ) عوضاً عن الصالات العادية التي كانت تغني بها قبلاً , كصالة (البوسفور) و صالة (سانتي) و كان مسرح (دار التمثيل ) وقفاً على المطربة منيرة المهدية , ولكن القصبجي إستطاع إغراء صاحب المسرح الذي وقع مع أم كلثوم عقداً طويل الأمد .
ومنذ شهر تشرين الأول/أكتوبر/ عام 1926 بدأت حفلات أم كلثوم تستقطب الجمهور , وصوتها الساحر ينتزع الإعجاب , على الرغم من حملات الصحافة المغرضة المركزة التي أسعرتها ضدها سيدات الطرب عن طريق المرتزقة المحررين منذ العام 1929 حين بدأن يشعرن بخطر تلك المطربة الشابة التي أخذت تصعد نحو قمة الغناء , وتزاحمن من وراء فنها الذي تتقن وعمالقة التلحين والعازفين الذين يرفدونها بروائع الألحان والأداء .
محمد عبد الوهاب في الطرف المقابل , لم يجابه ما تجابهه أم كلثوم من مقاومة , فموت سيد درويش المبكر في العام 1923 وخلو الساحة من المطربين القديرين إلا من الشيخ أمين حسنين و صالح عبد الحي , جعله بمساعدة شوقي يتربع على قمة الغناء , دون أن يهتم كثيراً لشهرة أمين حسنين و صالح عبد الحي و محد بخيت و البنا والمطربين الآخرين من الناشئين , كمحمد صادق وعبد الغني السيد وعبده السروجي و أحمد عبد القادر . كما أن صداقته لمنيرة المهدية وتمثيله معها أوبرا كيليوباترا(2) التي أسهم في تلحينها , إلى جانب علاقته الوطيدة بسائر المطربات والملحنين , وما يملك من صوت جميل و خيال موسيقي خلاق.. كل هذا جعله بمنأى عن الصراع , فإذا أضفنا إلى هذا علاقته الجيدة بالبشاوات التي أتاحها له راعي موهبته أحمد شوقي لعرفنا سر قوة محمد عبد الوهاب و مكانته التي أقامها أساساً على موهبته الشابة المتفتحة و على علاقاته الشخصية , والتي كرست كل شيء لخدمة فنه الكبير منذ منتصف العشرينيات ليجد نفسه في قمة الغناء دون أن يمر كثيراً بالعناء الذي مر به الأعلام الكبار الآخرون .


(2)أتم محمد عبد الوهاب تلحين كيليوباترا التي مات عنها سيد درويش قبل أن ينهيها.

الأخطل
20-07-2007, 12:02 AM
تابع الجزء الثاني

مونولوج إن كنت أسامح للقصبجي

المفاجأة التي هزت الوسط الفني تجسدت في مونولوج "إن كنت أسامح وأنسى الأسية " الذي لحنه القصبجي وغنته أم كلثوم في نهاية موسمها الغنائي العام 1928 , وبرغم أن أم كلثوم غنت في تلك الحفلة أغنية "سكت و الدمع تكلم" و "تبعيني له كان ذنبي إيه" و هما أيضاً من تلحين القصبجي , إلا أن أغنية "أن كنت أسامح" إعتبرت فتحاً في تاريخ الغناء العربي ومنعطفاً هاماً بفضل الأسلوب الجديد الذي إتّبعه فيها , وإستغل فيه طاقة أم كلثوم الصوتية في المد والترجيع , وفي تحويل الأداء الذي دأب المطربون والمطربات على إلقائه إلى تعبير لمعاني الأغنية و ترجمة لأحاسيس المؤدي ( مطرباً كان أم مطربة) لكلام الأغنية , وبذلك إنتقل الإلقاء الغنائي بفضل القصبجي و أم كلثوم إلى مرحلة جديدة لم تكن معروفةً قبلاً في البغناء العربي... لقد أقضت هذه الأغنية مضاجع الملحنين الشبّان و من بينهم رياض السنباطي و وقفوا مبهوتين أمام القتح الجديد الذي غيّر وجه الأغنية والغناء عموماً . وربما كان السنباطي أكثر تأثراً من غيره ,لأنه نحى في ألحانه التي جاءت بعد هذه الأغنية المنحى نفسه , وإكتشف من ورائها المستقبل الوضاء الذي ستصير إليه , وكان في تلك الفترة عاكفاً على تلحين أغنيات لعبد الغني السيد و أحمد عبد القادر , ولكنه تلكأ في تلحينها ولم يعطها للمطربين المذكورين إلا في مستهل الثلاثينيات , فأعطى لعبد الغني السيد مونولوج "شكيت يا قلبي" :

شكيت ياقلبي وعز رضــــــاك والشوق ظالـــــــــــــــــــــــــم
وياما شفت الذل معـــــــــــاك مالقيت راحــــــــــــــــــــــــم
صعبان عليرتعيش في ضناك
وجفوني تنسى النوم ويــــــاك
وبدال ما تفرح بحــــــــــبيبك ويتم صـــــــــــــــــــــــــفاك
ناسي من طول تـــــــــعذيبك والنار تـــــــــــــــــــــــرعاك
كل اللي بيتـــــــــــــــــــهنوا إلا أنا ويــــــــــــــــــــــــــاك
والقلب والوح يتــــــــــــمنوا ترجع اهــــــــــــــــــــــــواك
ليه يا حبيبي تسوء تيهــــــك توصل, تهجر على كــــــيفك
أجيب لي بخت في حبي فين وأبعد عن الشوق و النار فيــن
آسيت في حبك وطال عليـــه إيمتى توافيني و أنســــــــــى


وأعطى لأحمد عبد القادر أغنية خفيفة طقطوقة هي "أنا بحبك و أنت تحبيني" التي طارت شهرتها إلى كل مكان , ومن ثم لحن له مونولوج "مناجاة عاشق" الذي نورد نصه فيما يلي :

آه يا قمر وانت شايف ذللي وسهدي وجوايــــــــــــــا
آه يا قمر وانت عارف في الهوى دائي ودوايــــــــــــا
وحدك تشبه حياتي في الهــــــــــوى
بعد هجري وطول عذابي والجــــــــوى
حبيبي سامرته بلحظك في هنـــــــاه
وأدي أنت بتسامر فؤادي في شـــــــقاه
يا قمر تمم جمــــــــيلك والنبي ترحم عنيــــــــــــه
فكّ المحوب بنـــــورك خلّي قلبك يرق ليــــــــــــــه
يا قمر إعطف بقلبــــك وانظر يكفي نوحي ولوم عنيه
يا قمر إطلع بـــــنورك فكّره ,قولّه, يوم يشفق عليّـــه
يشفي قلبي ومهجتـــــي يجي يرحم ذلتــــــــــــــــــــي
ياما نورك يا قمر نور علينـــــــــــــا
في سكون الليل وساعدنا في هوانــــــــــــــا
من غرامي انضنيت للعذول رحت إشتكيــــــــــــت
ايمتى يصفي لي الزمان في الهوى وأنسى الهوان
وتجينا وتنوّر علينــــــا

الأخطل
24-07-2007, 10:22 PM
تابع /الجزء الثاني

الطقاطيق الماجنة و موقف محمد عبد الوهاب و السنباطي منها


لم يقتصر تأثر السنباطي بأسلوب القصبجي على المونولوج , بل سحب هذا التأثير وجعله يمتد ليشمل الطقطوطة كـ فــن , فقد وجّه حدسه الفني و رفضه المعنوي للطقاطيق التي كانت شائعة آنذاك نظماً ولحناً كثيراً من الإبتذال و الإسفاف , وكان يغني هذه الطقاطيق جميع المطربين و المطربات دون إستثناء , من أمثال منيرة المهدية و نادرة و فاطمة سري و نعيمة المصرية و سعاد محاسن وسميحة البغدادية و فريدة مخيش و عزيزة حلمي و صالح عبد الحي و غيرهم . فغنت منيرة المهدية من كلمات يونس القاضي و ألحان زكريا أحمد طقطوقة "ارخي الستارة اللي في ريحنا" ثم طقطوقة "بعد العشا يحلا الهزار و الفرشة" من ألحان القصبجي . وتعتبر هاتان الطقطوقتان من الطقاطيق المهذبة جداً إذا ما قيستا بالطقاطيق الأخرى التي لحنها زكي مراد لنعيمة المصرية مثل طقطوقة "أنا نايمة" وطقطوقة "أنا بنت خفة وأختشي" لعزيزة حلمي أو مثل طقطوقة "والنبي توبة" التي لحنها زكريا أحمد لنعيمة المصرية, هي :

والنبي توبة ماني شاربه معاك دي كانت نوبة وعرفت هواك
والنبي توبة

أو التي لحنها داود حسني لــ سعاد محاسن :

أنا عندي معاد في الدهبية إن جه سأل حد عليه

أو تلك التي لحنها جميل عويس لـ سميحة البغدادية "على سرير النوم دلعني" ولـ فريدة مخيش "فين حزامي يا نينه" .

إن كل هذه الطقاطيق جعلت السناطي ينأى بفنه عنها , ويترفع حتى عن التفكير في التلحين على غرارها , فأرضيته القروية , وجذوره الدينية , وأخلاقياته الخاصة , كل هذا باعد بينه وبين الفن الخليع الذي انحدر إليه فن الطقطوقة ... لقد اكتشف بحسه الفني السليم وهو بعد ما زال في أول الطريق أن هذا النوع من الغناء الفني ينحط بالمستوى الفني للغناء عموماً , لأنه يحرك الغرائز والشهوات , ويدفع عن طريقها بكل أنواع الغناء إلى الحضيض , لسيطرة هذا النوع على كل ما عداه , ولو إقتصر الأمر في أدائها على المخمورين والسكارى في الصالات والملاهي الرخيصة لهان الأمر , ولكن الأمر تجاوز الصالات و الملاهي إلى شركات الإسطوانات الطامعة إلى مزيد من الأرباح , فشجعت المطربين والمطربات وكتاب الأغاني والملحنين على إعطاء المزيد , وقامت بتسجيل تلك الأغاني على إسطوانات كانت تدخل كل بيت بإعتبار الأسطوانات من الإختراعات الفنية الثقافية التي كانت مرغوبة آنذاك , وتشبه في أيامنا هذه أجهزة الفيديو و الراديو والتلفزيون , ومن هنا كان خطر تسجيل تلك الأغاني على تربية الناشئة المتعلقة بحواسها ومشاعرها و متطلباتها . من خلال الشواهد السمعية التي نقبنا عنها والتي تعود إلى أواخر العشرينيات وسني الثلاثينيات لم نعثر للسنباطي على لحن واحد من هذا النوع , يدينه أو يقلل من قيمته الفنية , فهل رفض أن ينحدر بفنه إلى هذا المستوى عن سابق تصور وتصميم وهو بعد مازال ناشئاً , على الرغم من إنحدار داود حسني و زكريا أحمد و صبري النجريدي و جميل عويس ومحمد القصبجي إلى هذا الدرك, أم ماذا؟

من الثابت أن محمد القصبجي لم يعط لحناً واحدا من هذا النوع بعد مونولوج "إن كنت أسامح" وإرتفع منذ تلك الأغنية إلى مشارف لم يلحق بها أحد . ويمكن القول أن موجة هذه الألحان ركبها الملحنون كافة , وأن المشاهير من المطربين والمطربات (عدا أم كلثوم وعبد الوهاب) قد تهافتوا تهافت الذباب على الثريد , وإن السنباطي كـ فنان يطمح إلى الشهرة وإلى أداء المشاهير إلى ألحانه لم يعط شيئاً منها , فهل لم يعرض عليه أحد أن يلحن له , أم رفض أن يلحن هذا النوع من النظم الرخيص و المبتذل ؟!

دون شك كان السنباطي من الرافضين , شأنه في ذلك شأن محمد عبد الوهاب , وهو رفض تلقائي إنبثق من تربيته الدينية , ومن بيئته القروية , ومن أخلاقياته التي ورثها من إيمانه الديني العميق . ولكن هل يعني هذا أنه لم يلحن في تلك الفترة شيئاً من الطقاطيق ؟!
إن ما عثرنا عليه يدل أنه إختار نصوصأً غزلية بعيدة عن الإبتذال , تتحدث عن الحب بلغة معقولة لا شائبة عليها , دعم بها فن الطقطوقة كنص و لحن , وإنتشله من الوهدة التي آل إليها , مستقلاً في ذلك ما ذهب إليه القصبجي في أغنية "إن كنت أسامح" لينسج على غرارها مُفرقاً في ذلك بين المونولوج كـفن والطقطوقة كأغنية خفيفة لا تحتاج الزخم الموسيقي الذي يحتاجه فن المونولوج , فأعطى من وراء رؤيته المستقبلية وعفويته الصادقة في ترجمة المعاني إلى ألحان غنائية , أول أعماله في هذا المجال للمطرب الناشئ عبد الغني السيد الذي إستطاع بصوته وطموحه أن يؤدي ذلك اللحن الذي لفت إليه الأنظار من جهه وجعل الأغنية تتردد لى كل لسان من جهة أخرى , وكل ذلك كان في العام 1932 وهو تاريخ ظهور هذه الطقطوقة "يا ناري من كثر جفاكي " على أسطوانات أوديون :


يل ناري من كثر جفاكـــي ليه قسمتي كد و ياكي
يا روحي قلبك يجافيـــــني و أنا بهواكـــــــــــــي
و دموعي تنزل من عينــي تترجاكــــــــــــــــــي
لا يوم تنصفــــــــــــــــــي ولا يوم رحمتــــــــي
ليه قسمتي كده وياكـــــــي
فؤادي من يوم ما رأيتــــك سبته معاكـــــــــــــي
وروحي من يوم ما هويتك و اله فداكـــــــــــــــي
ما كانش ظنــــــــــــــــــي تبتعدي عنـــــــــــــي
ليه قسمتي كده وياكـــــــي
علشان بحبك وبريـــــــدك تبدي أساكـــــــــــــي
حرام عليكي دنا في إــيدك أملي رضاكـــــــــــي
ميلتي بختــــــــــــــــــــــي في الحب يا ختـــــــي
لي قسمتي كده وياكــــــــي

كان فيلم "انشودة الفؤاد" بطولة جورج أبيض ونادرة الشامية الذي تأخر عرضه حتى نهاية العام 1931 أول فيلم غنائي , وثاني فيلم ينتج في مصر بعد فيلم ليلى الذي عرض في سينما مترول في القاهرة في السادس عشر من نوفمبر عام 1927 , وكان من بطولة :أحمد جلال , عزيزة أمير , استفان روستي , حسين فوزي , و أحمد الشريف.

الأخطل
24-07-2007, 10:30 PM
تابع/الجزء الثاني

انشودتا قيام الحجاج وعودة الحجاج


[B]بعد ظهور فيلم "انشودة الفؤاد" وبين عامي 1932 و 1933 عُرض على السنباطي أن يلحن أغاني فيلم "سلمى" الذي سيقوم ببطولته المطرب الناشئ أحمد عبد القادر" ولم يأت هذا العرض بالصدفة وإنما بعد النجاح الكبير للسنباطي في الأغاني الدينية التي لحنها لهذا المطرب , والتي أشتهرت منه أغنيتين "قيام الحجاج" و "عودة الحجاج" , وكان هذا الضرب في الغناء الديني جديداً في كل شيء , بعد أن ظل جامداً على التقاليد الموروثة , النبوية والقصة الشريفة في الموالد و الأفراح و حفلات الختان , وما إليها , بمصاحبة جميع آلات الإيقاع الخالية من الضوج.
إن السنباطي الذي نشأ في وسط ديني ويحفظ القرأن بقراءاته السبع و يتقن التجويد ويعرف الشيء الكثير من المدائح النبوية و الموشحات الصوفية أراد كما يبدو أن يعطي جديداً ينقل به طرق الغناء الديني القديمة إلى مناخ أكثر تطوراً وقبولا عند الجيل الجديد الذي سئم ومَلَّ التكرار في الأداء الرتيب المتوارث حفظاً منذ أجيال وأجيال , والذي دأب المنشدون على ترديده دون زيادة أو نقصان . والذي يقرأ نص "قيام الحجاج" و "عودة الحجاج" اللذين نظمهما كل من حسين المانسترلي و فتحي قورة يكتشف أن مدح النبي –عليه الصلاة والسلام- كان من أهداف الناظم , وأن المديح اغتنى من خلال زيارة قبر النبي-عليه الصلاة والسلام- والقيام بفروض الحج , بمعانٍ قد لا تكون جديدة و لكنها أخضع للتلحين مثال ذلك نجده في انشودة "قيام الحجاج" :

ياحبيب الله يا سيد الكون مـــــــــــــــــــدد إيمتى نوصل , يا هناه اللي انوعـــــد
قلبي إليك مشتاق وهايم , والنبـــــــــــــــي من كل جنس الناس تجيلك يا نبــــــي
مصري , شامي , هندي , صيني ومغربي والترك والسودان معايا في مركــــبي
وانشق لك بدر السما شاف طــــــــــــلعتك والمعجزات أسرت حبايبك و العـــــدا
وفي الحروب جت لكالملايكة لنـــــصرتك وأهل المدينة سلموك روحهم فــــــــدا
النخلة طاطت يا نبي باست إيديـــــــــــــك وجا الشجو يخطر وراك خاضع إليك
حتى الغزال جاك يانبي سلم علــــــــــــيك وشفت نصرك يا نبي قدام عنيــــــــك
الميه سالت من صوابعك بـــــــــــــالزلال شربت جيوشك وارتوت سكر حـــلال
ونور جبينك يا نبي فلق الهــــــــــــــــلال وحسن وجهك يا نبي ما لوش مثــــــال


إحتلت هذه اأغنية عند ظهورها مكانةً خاصة , وحَمَلتْ للسنباطي وعبد القادر الشهرة التي يسعيان إليها, الأمر الذي دفع بشركة أوديون أن تطلب منه أن يضع لحناً آخر على غراره لأحمد عبد القادر فوضع لحناً آخر فاق اللحن الأول بروعته , وسجلت مبيعاته لدى شركة للأسطوانات رقماً خيالياً ما كانت تحلم به , بينما لم يتقاضى السنباطي ثمناً له سوى خمسة جنيهات , وهو مبلغ كبير قياساً على ما كان يتقاضاه الملحنين وقتذاك , أما موضوع الأغنية فكان عن الحج , وفي مديح النبي –عليه الصلاة والسلام- وعن عودة الحجاج , وقد غنى الأغنية المطرب نفسه أحمد عبد القادر , وفيما يلي نورد نص الأغنية التي حملت إسم "عودة الحجاج" والتي نظمها الأستاذ فتحي قورة :


إيمتى نعود لك يا نبي و نمتع الأنظار والفرح يرجع يا نبي و الطبل و المزمار
إمتى نـــــــــــــعود يا نبــــــــــــــــي
الطبول دقت وقمنا نزور النـــــــــ بي والجمال حطت و قالوا لي إركبـــــــــي
هان علي إبني و سبتو لهم صـــــــبي محلا نورك يا حبيبي يا نبــــــــــــــــــي
إيمتى نعود لك يا نبـــــــــــــــــــــــي
المــــــــــــراكب جت لجدة و دورت و البايا الحلة قامـــــــــــــــــــت زغردت
و الجمال في الصــحراء ياما فرهدت ما تخافمش ع النــــــــــــوق يقويها النبي
إيمتى نعود لك يانبـــــــــــــــــــــــــي
زلت الحجاج يوفوا اللي انكتــــــــــب زرنا بيت الله و حيتنا العــــــــــــــــــرب
و المنادي يقول أدي وقت الطـــــــلب و طلعنا نطلب ع الجبل يــــــــــــوم النبي
إيمتى نعود لك يا نبــــــــــــــــــــــتي
حج بيت الله منايا وقبلتــــــــــــــــــي والمدينة الحلة كانت طلبتـــــــــــــــــــــي
نورها واصل للسما يافرحتـــــــــــي يوم ما زرنا المصطفى الهادي النبــــــــي
إيمتى نعود لك يانبـــــــــــــــــــــــي

نحى السنباطي يتلحين هاتين الأغنيتين برغم وغارهما الديني البهيج , نحو الأغنية الخفيفة , فإختار قالب الطقطوقة في الصياغة , لأنه أسهل حفظاً وأوقع تأثيراً, و إستعان بالكورس في ترديد المذهب , وإستغل الدفوف في الإيقاع إستغلالاً كبيراً دون إسراف أو إسفاف للتدليل على المنشأ الديني الذي لجأ إليه في التلحين , وإستخدم بصورة خاصة الطبل و المزمار الشعبيين ليضفي على أغنيته الجو الديني الشعبي المتألق بالفرح, والمنبثق عن الخشوع لمعاني الحج , وزيارة قبر النبي –عليه الصلاة والسلام- , لدرجة أن رجال الدين المتزمتين الذين وقفوا ضد الموسيقا والغناء رحبوا بهاتين الأغنيتين عند ظهورهما , كما إعتبرها الصوفيون إمتداداً لمحاولات "الشنشتوري" الدؤوب في إدخال الآلات الموسيقية على الأناشيد الصوفية .

فيلم سلمى لأحمد عبد القادر

نعود إلى فيلم "سلمى" بالذات الذي قادنا إلى الحديث عن أول أغنتين دينيتين عرفهما الغناء العربي , بعيداً عن الموشحات الدينية و القصة الشريفة , فقد إتفق منتجوا الفيلم مع شركة أوديون على تسجيل صوت الفيلم في استديوهاتها في المانيا , وبالمقابل إقترحت الشركة على منتجي الفيلم إحتكار طبع جميع أغاني الفيلم , على أن يقوم السنباطي بتلحينها , وذلك لكي تؤمّن الأرباح التي أمّنها لها السنباطي من خلال أعماله السابقة التي لحنها لها.
كان هذا أول فيلم غنائي يضطلع السنباطي بوضع موسيقاه , و تلحين كل أغانيه دون إستثناء من مونولوج وطقطوقة و أغنية شعبية , وكانت أبرز تلك الأغاني أغنية "عودة البحارة" لأحمد عبد القادر التي نُثبّت نصها فيما يلي:

الجو رايق و سار البحارة بإسم الله و البدر كمّل جمال الليل وتم صـــــفاه
اسمح يا زمان ونشوف الأوطان بُعد الحبايب شغل قلبي العليل و شجاه
وخلّا جسمي انضنى راخر تاه والغربة طالت علي يا زمان أواه
ياما سهرت الليالي و البعاد غدار سلبت رشادي وشتمت في فؤادي عداه
اسمح يا زمان ونشوف الأوطان

الفراق صعب و الوطن غالـي
ده الشط قرّب يا الله يا رجالـي
قد تم يـــــا الله
الشجي ولــــى بعد ما ضنانـــي
بكره نتملـــــى بالحبايب تانـــي
قد تم يـــــا الله
و امسكوا الدفّه واعدلوا الصاري
ده الزمان وفى وانطفت نــــاري
قد تم يا الله

الفيلم لم يحقق النجاح المرجو منه , ولكن الأغاني رفعت من مكانة السنباطي كملحن وجعلت المطربين والمطربات الأكثر شهرة يزدادون إقتراباً منه . وفي تلك الفترة من حياته إهتم بناءً على طلب الأستاذ مصطفى بك رضا مدير معهد الموسيقى , والأستاذ حسن أنور بفرقة المعهد الموسيقية والغنائية بإحياء الحفلات الشهرية التي كان يساهم فيها بألحانه إلى جانب الأعمال التراثية التي كان يستهل الغناء بها , وكانت الوصلة تتألف عادةً من مقطوعة موسيقية يليها عدد من الموشحات , ففاصل موسيقي , يليه أهم جزء في الوصلة "الدور" , وكان كثيراً ما يساهم بغناء بعض الأعمال التراثية , أو يدعوا بعض خريجي المعهد للغناء , مثل محمد الصادق و عبد الغني السيد.

الأخطل
24-07-2007, 10:39 PM
تابع/ الجزء الثاني

لقاء السنباطي بأم كلثوم

اختلفت الروايات عن اللقاء الثاني الذي تم بعد خمسة عشر عاماً مضت على اللقاء الأول الذي يقول السنباطي(3):

"لم يكن أول لقاء بيننا في القاهرة , بل كان ذلك أيام طفولتنا , ومازلت أذكر تفاصيل هذا اللقاء .. كان في ليلة ممطرة في محطة سكة الحديد الدلتا في قرية "قرين" بمحافظة الدقهلية . وكانت أم كلثوم تضع فوق رأسها عقالاً عربياً , وترتدي معطفاً من وبر الجمل , وقد وقًَفَتْ بين أبيها وشقيقها الشيخ خالد , وكانت أم كلثوم ترتعد من شدة البرد, وإندمج والدي مع والدها في حديث عن الغناء والحفلات , بينما تجاذبنا أطراف الحديث , حتى وصل القطار الذي كان مزدحماً بالركاب وترافقنا في القطار , ثم إفترقنا بسبب الزحام..."


(3) راجع مجلة المجلة –العدد-84-19-25/سبتمبر/- "في آخر مقابلة معه فبل وفاته رياض السنباطي يروي..."

يقول الأستاذ شفيق نعمت (4) عن اللقاء الثاني الذي تم في القاهرة بين أم كلثوم والسنباطي ما يلي:
"كان رياض في الثلاثين من عمره , وكانت أم كلثوم قد سمعته في أغنية مُذاعة من ألحانه عنوانها "يا ريتك حبيتني زي ما حبيتك" وعندما أعجبت باللحن طلبته هاتفياً , وحددت له موعداً لزيارتها في منزلها , وكان لقاءً جميلاً بعد هذه السنوات ,عرضت فيه أن يلحن لها فرحب بالعرض , وكان في منتهى السعادة , وسلمته كلمات أول أغنية نظمها لها من نظم "أحمد رامي" ومطلعها "يا طول عذابي و اشتياقي ".

(4) راجع مجلة الشبكة –العدد1333من عام 1981 ( رياض السنباطي كان صرحاً من عطاء فهوى )-بقلم شفيق نعمة.

أما الأستاذ جبرائيل سعادة (5) فينقل عن نور الهدى(6) ما سمعه منها عن هذا اللقاء:
"كان رياض يومذاك في مقر شركة أوديون للأسطوانات , يقوم بتسجيل أغنية كان قد لحنها لينشدها بصوته , هي أغنية (على بلدي المحبوب ودّيني) وإذا بأم كلثوم تحضر إلى المكان لأمور تتعلق بتسجيل أغاني فيلم (وداد) الذي كانت تقوم بتمثيله فأسمعها مدير مدير الشركة الأغنية التي كان السنباطي قد سجلها فأعجبت بها كل الإعجاب وأبدت رغبتها في استخدامها في فيلم (وداد) وقد غنتها فعلا في الفيلم المذكور ".

(5)راجع مجلة الضاد السورية الصادرة بحلب –العدد الأول والثاني (رياض السنباطي )بقلم جبرائيل سعادة.
(6)الإسم الحقيقي لنور الهدى هو الكسندرا بدران – و يوسف وهبي هو الذي أطلق عليها هذا الإسم.

شيخ الملحنين زكريا أحمد يروي في مذكراته عن هذا اللقاء مايلي :
"..كنا في بيت أم كلثوم أنا والقصبجي , عندما جاء لزيارة أم كلثوم السيد باروخ مدير شركة أسطوانات أوديون وفي هذا اللقاء أدركت أن ملحني أم كلثوم أصبحوا ثلاثة :السنباطي , القصبجي و أنا.....".

إذا ما ناقشنا الأقوال المذكورة آنفاً على أساس الواقع الثابت الذي لدينا , لوجدنا أن ما ذهب إليه زكريا أحمد يتفق مع الواقع , على الرغم من أنه لم يحدد تاريخاً معيناً .. قد تكون أم كلثوم أُعجبت بلحن السنباطي لأغنية (يا ريتك حبيتني زي ما حبيتك) الذي غنّاه أحمد عبد القادر , وأن تكون إتصلت به هاتفياً و غير أن الزيارة التي تحدث عنها شفيق نعمة مشكوك فيها كأول زيارة,لأن الزيارة الأولى تمت في العام 1932 , بينما الأغنية التي أعجبت بها أذيعت في الأذاعة في العام 1934 , كذلك الأمر بالنسبة لمونولوج " ياطول عذابي" الذي ظهر أول ما ظهر في العام 1941 , وهو تاريخ بعيد جداً عن العام 1934 الذي تم فيه ذلك اللقاء , وعلى هذا فإن كل الذي أورده الأستاذ شفيق نعمة غير وارد على الإطلاق , أما نور الهدى التي روت ما روت عن ذلك اللقاء فلاتستقيم روايتها مع الوقائع , فهي لم تذكر أن اللقاء قد تم بينهما , وإنما قالت أن أم كلثوم إستمعت إلى تسجيل أغنية (على بلدي المحبوب بصوته) وأنها أعجبت باللحن وأبدت رغبتها في إدخال الأغنية في فيلم (وداد) بينما في واقع الحال لم تعجب باللحن , والأغنية كانت مدرجة في الفيلم الذي تم إنتاجه عام 1935 , كما أن السنباطي لم يسجل هذه الأغنية بصوته إطلاقاً , وإنما سُجلت أول ماسُجلت بصوت المطرب عبده السروجي , ومن هنا تبين لنا أن ماذهبت إليه نور الهدى لم يكن صحيحاً , والشيء الوحيد الصادق في هذه الواقعة هو لقاء السنباطي بأم كلثوم كما ذكر السنباطي نفسه , وهو الشيء الذي لم تشر إليه نور الهدى في روايتها ,إذ يقول في اللقاء الذي أجرته معه مجلة المجلة (7) مايلي:
"...كان اللقاء في العام 1932 في مقر إحدى شركات الأسطوانات , وكان إسمها أوديون وكانت هذه الشركة تحتكر أغاني أم كلثوم , فعهدت إلي بتلحين (النوم يداعب) ورحبت أم كلثوم بأن أُلحّن لها بعد أن إستمعت إلى الأغنيات التي لحنتها قبل ذلك.."

وفي حوار قديم أجراه معه (يوسف شهدي) (8) عام 1954 حول لقائه بأم كلثوم يقول السنباطي :

" سمعتها كما سمعها الملايين , وعشقتها كما عشقها الملايين , إلى أن جاء من يقول لي أن ثومة سمعتك في الإذاعة وتريد رؤيتك , وكنت في ذلك الوقت ممتلئاً بالحماسة وفي رأسي أنغام وموسيقى لا تجد لها متنفساً , ولا أعثر على من يغنيها ... ولم أكن أتصور إنني بعد مجيئي إلى القاهرة بفترة قصيرة سأقوم بالتلحين لكوكب الشرق ..لأم كلثوم نفسها.. ولكن أم كلثوم قدمت لي أغنية ( النوم يداعب عيون حبيبي) وكلفتني بتلحيتها فلم أتردد , وكانت تلك أول قطرات الغيث , فقد لاقت نجاحاً كبيراً , ومن يومها وأنا أسكب في أغاني ثومة , عصارة فني وروحي , لحنت لها قصائد ومونولوجات وأناشيد وطنية , وكان كل منها يختلف عن اللحن الآخر روحاً ومعنى..."


(7) راجع مجلة المجلة –العدد84 .
(8) أهل الفن –العدد الخامس /مايو/1954 .


دون شك رواية السنباطي عن هذا اللقاء الذي لم يحدد له تاريخا معيناً هي أصدق رواية, لأنها جاءت من صاحب السيرة نفسه وهو في أوج عطائه, كذلك فإن ما رواه زكريا أحمد (9) عن الزيارة السنباطي الأولى لأم كلثوم يعتبر أكثر من صادق , لأنها جاءت من مذكرات رجل لم يزاحمه أحد على مجده , والمذكرات الشخصية مهما كانت متمبزةً عاطفياً تكون دائماً صادقةً , ويتجلي صدق زكريا أحمد في تصنيفه للملحنين الذين ستستعين بهم أم كلثوم في تلحين أغانيها عندما فال:
"... وفي هذا اللقاء أدركت أن ملحني أم كلثوم أصبحوا ثلاثة :السنباطي , القصبجي و أنا ..".

وقوله يعني أن السنباطي غدا الملحن الأول , ومن ثم القصبجي فزكريا أحمد . ومن جهة ثانية يؤكد أن زيارة السنباطي الأولى لأم كلثوم تمت بعد لقاءه بها في شركة أوديون للأسطوانات الذي ذكره السنباطي نفسه.

ورداً على الأستاذ شفيق نعمة أيضاً حول إتصال أم كلثوم بالسنباطي ودعوته لزيارتها وإعطائه أغنية (يا طول عذابي) ليلحنها , يقول السنباطي في حديث أدلى به لمجلة المجلة (10) مايلي :

"...كان أول عمل لي مع أم كلثوم هو أغنية (النوم يداعب عيون حبيبي), يومها أحضرت لي الكلمات لتسألني رأيي فيها ..كانت لأحمد رامي –رحمه الله- ..راقتني الكلمات ولحنتها , وكان هذا باكورة ألحاني للمرحومة سيدة الغناء العربي .. ثم لحنت لها أغنية إشتهرت بعد ذلك الوقت (على بلدي المحبوب وديني) , وبعد ذلك تعمقنا في القصائد الدينية والعاطفية.."

(9)زكريا أحمد ,تأليف صبري أبو المجد .
(10) مجلة المجلة –العدد85 أكتوبر 1981 (نشر بعد وفاة السنباطي).

الأخطل
24-07-2007, 10:46 PM
تابع/ الجزء الثاني

في هذا القول للسنباطي نكتشف أن ماذكره كل من زكريا أحمد و السنباطي حول اللقاء الأول في القاهرة مع أم كلثوم هو الصحيح , ونكتشف أيضاً أن المطربين والمطربات هم الذين كانوا يسعون إليه , فأم كلثوم كما يقول السنباطي زارته في البيت لترى رأيه في نص أحمد رامي , ولتطلب منه أن يقوم بتلحين ذلك المونولوج الرائع كأول عمل جاد بينهما....
يتبين لنا من كل ماسردناه آنفاً , إن اللقاء الثاني بين أم كلثوم والسنباطي تم في أواخر العام 1932 , وفي بيتها , وأنها زارته فيما بعد في منزله لتطلب إليه تلحين (النوم يداعب) . وبالرجوع إلى تاريخ صدور هذه الأغنية مطبوعة على اسطوانات شركة أوديون يتضح أن زيارة أم كلثوم للسنباطي تمت في أواخر 1932 , وأن الأغنية المذكورة غنتها أم كلثوم في العام 1934 نفسه , قبل أن تظهر مطبوعة على اسطوانة قياس 30 سم لحساب شركة أوديون في العام 1935 , ومرة ثانية في العام 1936 وفيما يلي نص المونولوج الذي نظمه شاعر الشباب أحمد رامي :

النوم يداعب عيون حبيبـــي
النوم يداعب عيون حبيــــبي و السهد شاغل جفونـــــــــــــي
يا ريته يغفل ويكون نصـيبي تفضل تشاهده عيونــــــــــــــي
أهيم في حسنه و أشرب بهاه
وأبعت له طيفي يسبح معــاه
يشكي اه حالي م الليــــالي طول الليالـــــــــــــــــــــــــــي

ياما هويــــت الــــــــــــــنوم إرحم فؤادي من كتر نوحـــــي
ما كانش يهوى عيني النــوم
ياما إشتهيت الــــــــــــــــنوم وقلت طيفه يرأف بروحـــــــي
يعطف عليه ويزورني يـــوم

من كتر ما تمنيت رؤيـــــــاه لو كان يزورني في الأحــــلام
وقلت يمــــــــــــكن يوم ألقاه معاي في وادي الأوهــــــــــام
الفكر تاه في الغــــــــــــــرام بين السهر والمنــــــــــــــــــام
نم يا حبــــــــــــــــيب الروح الليل الليل بطوله سهران عليك
خلي الضنـــــــــــــى والنوح للّي فؤاده سلّم إليــــــــــــــــــك
وإن جه نسيم السحـــــــــــــر ونبه اللي عن طول سهـــــادي
غافل نعســـــــــــــــــــــــــان
يشوف في عيني الســهـــــــر ويرحم اللي طول الليــــــــــــل
يحلم سهـــــــــــــــــــــــــران

عندما تصدى السنباطي لتلحين هذا المونولوج كان يدرك تماماً بأنه يدخل في معركة حاسمة بالنسبة إليه , فمحمد القصبجي سيد المونولوج على الإطلاق , وقف على القمة بعد روائعه التي أعطى (إن كنت أسامح) (ياما ناديت) (طالت ليالي البعد) (يا نجم) (فين العيون) ومحمد عبد الوهاب كان يقف على القمة المقابلة بصوته وألحانه وروائعه , هو الآخر رائع كما في (الهوان وياك معزة) (ياترى يا نسمة) (بلبل حيران) ( مريت على بيت الحبايب) . أما زكريا أحمد فقد أعطى كل نفيس في المونولوج الذي زاحم فيه ما أعطاه زميلاه, ولعل أبرز مونولوج غنته له أم كلثوم في تلك الفترة هو مونولوج (ياما أمر الفراق).
إستفاد السنباطي الذي سبق ولحن عدد من المونولوجات لكل من نادرة و فتحية أحمد وعبد الغني السيد, وأحمد عبد القادر من تجربته الشخصية في تلحين المونولوج وتجربة القصبجي بالذات , بدءاً من مونولوج (إن كنت أسامح) وإنتهاءً بآخر أعماله في تلك الفترة (يا غائباً عن عيوني) وعني عناية خاصة بأعمال محمد عبد الوهاب التي كانت تختلف عن أسلوب القصبجي , ومن هنا أثرى تجربته في التلحين , وعرف كيف يتصدى لتلحين هذا المونولوج وكيف يكرس تجارب الآخرين لخدمة فنه , فأغنى بإبداع كبير المونولوج المذكور باللوازم الموسيقية المشرقة الحديثة في كل شيء وبالجمل الموسيقية التي قطع بها صدر البيت وعجزه, وبين الكلمة والكلمة في بعض الأحيان دون إعادة أو تكرار- كما فعل غيره – وسخّر أحرف المد الصوتية الثلاثة في التلحين ليستفيد من طاقة أم كلثوم الصوتية , وخلق تبايناً إنسجامياً بين قرار صوت أم كلثوم و جوابه في المحط المقامي , وبين اللوازم الموسيقية التي جاءت في جوابات قرار صوت أم كلثوم , وفي قرارات جواب صوتها أيضاً , من خلال التوافقات البليغة في كل قفل غنائي , واستخدم ما يعرف بالغمز على الأوتار لأول مرة في تاريخ الغناء العربي – بيزيكاتو – بصورة يبدو معها اللحن و كأنه خلفية هارمونية لمد أم كلثوم الصوتي الذي أتاح للحن أن يطفو على السطح شيئاً فشيئاً , حتى أشرق لامعاً بعد أن استقر صوتها على القفل المثير في غنائها:

"يعطف علي ويزورني يوم"

و الأداء الكلثومي للحن كان أكثر من شاعري , وهو دون شك أنهك السنباطي حتى إستطاع أن يلقنها إياه لصعوبته ودقته , إذ من المعروف عن مطربينا ومطرباتنا عدم إجادتهم لقراءة التدوين الموسيقي لجهلهم ماهية النوتة الموسيقية حتى الآن , ويمكن إستثناء من المطربين و المطربات الذين يجيدون العزف والقراءة الصولفائية كـ مطربة العواطف "ملك" التي كانت تلحن لنفسها , وتقدم حفلاتها الشهيرة في مسرحها في القاهرة في يوم السبت الأول , و"بهيجة حافظ" التي كانت تجيد العزف على البيانو , وتملك صوتاً جميلاً , ولكنها فضلت إحتراف التمثيل على الغناء , بسبب جمالها وهوايتها و "يولاند أسمر" المعروفة في القطر العربي السوري بإسم "بسمة" و المطربة الشهيرة "فيروز" التي تعلمت الصولفيج في الكنيسة المارونية التي كانت تتردد عليها . وعدا هؤلاء كان جميع المطربين والمطربات لا يعرفون شيئاً عن التدوين الموسيقي , ناهيك عن قراءته كلحن غنائي , الأمر الذي كان يدفع الملحنين إلى تحفيظ المطربات والمطربين الألحان التي وضعوا , وقد ظلت هذه الطريقة هي السائدة حتى منتصف الخمسينات , ومن ثم إستبدلت بأجهزة التسجيل , بعد إنتشار أجهزة التسجيل على نطاق واسع , وغزوها للحياة الموسيقية , فصار الملحن يسجل الأغنية بصوته وعلى عوده , ويرسل بها إلى المطرب أو المطربة , ليتم حفظه كما جاء بصوت الملحن على الشريط المسجل . وعندما تنتهي عملية التحفيظ بهذه الطريقة يشرف الملحن على التمارين مع الفرقة الموسيقية , فيضع اللمسات الأخيرة ليضفي على اللحن مزيداً من الجمال , قبل أن يظهر بصورته النهائية .

تضافرت في مونولوج (النوم يداعب) جهود المؤلف والملحن والمطربة , فتهيأت له كل أسباب النجاح و التفوق . و المونولوج المذكور هو من مقام الكرد , ومن أصعب وأدق الألحان التي عرفت في تاريخ الغناء حتى تلك الفترة . و لا يستطيع أن يؤديه إلا مطرب متمرس , لأنه مُنهك في أدائه وتعبيره .
حقق هذ المونواوج ( بالتجديد الذي جاء فيه ,أو في الإلقاء الغنائي , أو في اللوازم الموسيقية والجمل المتفردة ) نصراً كبيراً , ناهيك عن أم كلثوم التي كانت مشككة في قدرته , مع طائفة الملحنين الكبار الذين كانوا لايتوقعون له النجاح , وينظرون إلى السنباطي كعازف عود بارع فحسب.
كان هذا المونولوج نقطة إنعطاف في حياة السنباطي , إتضحت فيه معالم شخصيته الفنية لأول مرة , وفيه سجل الغناء نقلة نوعية في التجديد , وكان على السنباطي أن يتابع الطريق , فسيد المونولوج(محمد القصبجي) تجاوز بأعماله اللاحقة التي ظهرت في فيلم (وداد) ما أعطاه السنباطي في مونولوج النوم يداعب , ومن هنا بدأ التنافس على شاعرية المونولوج بين الثلاثي الكبير ( القصبجي , محمد عبد الوهاب , السنباطي ) , وكان رصيد السنباطي حتى ذلك اليوم مونولوج النوم يداعب و أعمال أخرى لعبد الغني السيد ونجاة علي وأحمد عبد القادر , لم تشكل في مجموعها سبقاً على العملاقين الآخرين , وإن دلّت على ما ينتظر الأغنية العربية من مستقبل على يدي السنباطي .
بعد هذه الأغنية غدت أحلام السنباطي لا تتسع لنبوغه وعطائه , فها هو يقف مع أساتذة التلحين ., وها هو قد غدا ملحناً للمطربين والمطربات الكبار , بعد أن غدت أم كلثوم من مغنيات ألحانه .

في العام نفسه الذي وضع فيه أول ألحانه لأم كلثوم , تخرج من المعهد , وفي الوقت نفسه إحتفظ بوظيفته كمدرس لآلة العود . وفي حفلة التخرج قدم لأول مرة معزوفة إستهل بها وصلة الغناء الشهرية , هذه المقطوعة كتبها بقالب اللونغا التراثي من مقام النهوند وقد عرفت فيما بعد بإسم "لونغا رياض" نسبةً إليه .
كانت هذه المقطوعة مفاجأة لأساتذة المعهد وللجمهور الذي حضر الحفلة , إذ برهن من خلالها على طول باعه في الأعمال التراثية , وأنه يمكن للفنان الواعي لفنه يتحدث من وراء القوالب التراثية بلغة عصره , وهذا ما فشل فيه معاصره محمد عبد الوهاب في السماعيات التي ألّف , والتي ظل يدور فيها بلغة الماضي , واللونغا كعمل فني دقيق وخفيف ومرح وذي إيقاع ثنائي سريع , تتطلب مهارة خاصة في التأليف , ولا أعرف لونغا واحدة منذ ولادة "لونغا رياض" إستطاعت أن تثبت وجودها وأن تتحدث بلغة العصر وأن تدعم هذا الفن سوى أعمال ضئيلة كـ "لونغا نهاوند" لعبد العزيز محمد و "لونغا فرحفزا" لممدوح السمّان و "لونغا عجم" لجميل عويس و"لونغا راست" امحمد عبد الكريم .

دخلت لونغا رياض في برامج المعاهد الخاصة والرسمية في كل الوطن العربي تقريباً . وغدت علامة في تخرّج الطالب العازف , وما تزال هذه المقطوعة الساحرة حتى اليوم تتحدى عامل الزمن لأنها تحدثت بلغة العصر.

ymymy
27-07-2007, 08:43 PM
السلام عليكم ,,,,,

رائــــــــــــــــــع ماخطت يداك اخي الأخطل
حقيقة مثل هذه الشخصيات الرائدة في عالم الكفاح قبل الموسيقى تأخذ منها الكثير من الفوائد سواء على الجانب الحياتي او الموسيقي.....

الأخطل
16-08-2007, 03:39 PM
تابع/ الجزء الثاني

السنباطي عازف عود في تخت محمد عبد الوهاب


محمد عبد الوهاب الذي إحتاج في أواخر العام 1933 عازف عود في متمكن من أجل تسجيل أغاني فيلمه (الوردة البيضاء) لم يجد أمامه سوى السنباطي الذي أجمعت عليه الآراء كأقوى و أبرع عازف عود . و قد ظهر السنباطي في الفيلم المذكور , ومثل فيه بالإضافة إلى قيامه بالعزف مع تخت محمد عبد الوهاب مشهداً قصيراً جداً , ويتحدث السنباطي عن ذلك فيقول
(11) :

"..... لقد كنت ضمن أفراد التخت الذي صاحبه في أغاني الوردة البيضاء , بل أنني ظهرت في الفيلم في مشهد لم يستغرق سوى نصف دقيقة , وكان المشهد لفرقة ( محمد أفندي ) بطل الفيلم الذي هو محمد عبد الوهاب حتى نعزف له أغنية (النيل نجاشي) ولما تأخر عن حضور البروفة , وقفت أنا كما تقضي حوادث الفيلم محتجاً و قائلا : مش معقول ننتظر أكثر من ده..... وكان هذا أول ظهور لي في السينما".

وللحقيقة والتاريخ , فإن الإعجاب كان متبادلاً بين الإثنين , وكان السنباطي يغني بعض أغاني محمد عبد الوهاب في حفلات المعهد الشهرية, وفي السهرات الخاصة , غير أن الذي إختار السنباطي للعزف في الفيلم المذكور لم يكن محمد عبد الوهاب , وإنما قائد فرقته (التخت الشرقي) الفنان العربي السوري الكبير(جميل عويس) . ومنذ قيام السنباطي بتسجيل أغاني فيلم الوردة البيضاء على عوده أخذ محمد عبد الوهاب يشيد بمقدرة السنباطي وبراعته وموهبته في العزف , ويجب أن لاننسى أن جميع المقاطع الموسيقية التي إنفرد بها العود خلال غناء محمد عبد الوهاب لأغاني الفيلم كانت من أداء السنباطي , مثال ذلك أداء العود في مونولوج (ضحيت غرامي عشان هناكي) وغيرها من الأغنيات إضافة للموسيقى التي رافقت مشاهد الفيلم , وبخاصة مقطوعة (لغة الكيتار).

كان لقاء السنباطي بمحمد عبد الوهاب في العام 1933 أول لقاء له بعد لقائه بأم كلثوم . وكان عبد الوهاب يمثل قمة الغناء العربي , بينما كان السنباطي يشق طريقه في سماء الفن كمطرب وملحن وعازف , بأناه وصبر , وبرغم الإعجاب المتبادل بين الإثنين والحماسة لبعضهما البعض , فقد شاءت الظروف أن تشوب سماء هذا الإعجاب الغيوم , وأن تتكاثر وتتلبد أكثر فأكثر بسبب أم كلثوم , التي أخذت بالإعتماد على السنباطي في أغانيها , فتقلصت العلاقة التي بدأت بينهما بإندفاع من الجانبين , لتغدو نوعاً من المجاملات , ولتتحول مع الزمن إلى نوع من الغمز في التصريحات المهذبة التي كانا يطلقانها رداً على بعضهما في المناسبات , لتغدو نوعاً من التجريح , مثال ذلك التصريح الذي أدلى به محمد عبد الوهاب لمجلة أخبار اليوم في السنة الأولى لصدورها بأن السنباطي عازف عود لايجارى وملحن قوي في الأعمال الدينية ..

هذ القول يعني أن السنباطي لايصلح في التلحين لغير الأعمال الدينية . وأخلاقيات السنباطي كانت فوق هذا اللغو الذي أريد به باطلاً .. فعبد الوهاب الذي بلغ الأوج في صراعه مع أم كلثوم على زعامة الساحة الموسيقية , كان يوزع التصريحات الجارحة المهذبة بطريقة ذكية , كما يقول لمجلة (الاستديو) التي كانت تصدر عن (دار الحبيب) واختصت بالقضايا الفنية وبخاصة السينمائية أن محمد القصبجي أبرع عازفي العود , وهو بقوله هذا نال من القصبجي كملحن عندما قصر موهبته على عزف العود , مع أن الذي علمه عزف العود هو محمد القصبجي , أستاذ أساتذة هذا الفن. صحصحصحصح

أم كلثوم التي ملّت العراك المستور الذي لاتجيده , والذي ينال بإستمرار من ملحنيها إستدعت السنباطي في ثورة غضب وطلبت منه أن يلحن كل القصائد التي سبق وغناها محمد عبد الوهاب لتغنيها .
ويحدثنا الأستاذ إبراهيم الخوري في الشبكة عن هذه الواقعة بما سمعه في سهرة خاصة أقامها السفير الكويتي على شرف السنباطي عام 1980 , فيقول أن أحد الساهرين قال للسنباطي ضاحكاً بعد أن روى له قصة قصيدة سلوا كؤوس الطلا :

"كنا نعتقد أن أحمد شوقي يحب محمد عبد الوهاب وحده , فإذا به يحب أم كلثوم أيضاً" ... فضحك السنباطي وقال : "كلهم كانوا يعتقدون أن رياض السنباطي يحب أم كلثوم وحدها بينما أنا أحب عبد الوهاب أيضاً".
فقلت له : هذا حدث ؟
فقال السنباطي : " هذا قديم .. وللمناسبة أحب أن أكشف سراً أعلنه للمرة الأولى في حياتي , عندما إشتد التنافس بين أم كلثوم و محمد عبد الوهاب في عز شبابهما , طلبت مني أم كلثوم أن أجمع معظم أغاني عبد الوهاب الناجحة وأعيد تلحينها بنفسي لتغنيها أم كلثوم .. ولكنني رفضت الإقدام على هذا العمل حباً مني لمحمد عبد الوهاب و تقديراً لصوته العظيم ..."
وسأله جورج الخوري :
وماذا تفعل بالشعراء الذين نظموا تلك الأغاني لعبد الوهاب ؟ هل كانوا سيوافقون على فعلتك لو أنك رضخت لطلب أم كلثوم؟
قال السنباطي : "كانت أم كلثوم ستختار أشعار أحمد شوقي فقط التي أنشدها عبد الوهاب .. وأحمد شوقي كان قد مات ..... "

بعد مونولوج " النوم يداعب" في العام 1934 , لحن السنباطي لعبد الغني السيد "عذاب غرامك هنا" التي راجت طويلاً , نحى فيها منحى عبد الوهاب في أغانيه الخفيفة التي ظهرت في "الوردة البيضاء" كأغنية "يا وردة الحب الصافي" , و لكن بطريفة سنباطية , فأعطى الأغنية أبعادها في الإيقاع الغنائي , مستغلاً في ذلك صوت عبد الغني السيد الذي يضاهي صوت عبد الوهاب في قوته , ويقصر عنه في طلاوته , منطلقاً بهذا الصوت إلى أجواء لم يسبق له أن تطرّق إليها في الأغاني التي سبق و أعطى , مستفيداً من الأحرف الصوتية في المد والترجيح ... تقول الكلمات الأغنية :

عذاب غرامـك هنــــا وكل شيء فيه يهــون
خليني أحـــبك أنــــــا وأدوق مرار الشجـون
وخلـــي قلــبك بعــــيد عن نار وذل الغـــرام
يصعب علي التقيكــي وشوف فؤادك حزيــن
والدمع يعرف عينيكي واسمع لقلـــــــبك أنين
خليني أحــــبك أنــــــا وأديكي قلبي الحنـــون
عذابي يوم المنــــــــى مادام في حبك يكـــون

الأخطل
16-08-2007, 03:44 PM
تابع / الجزء الثاني

أغنية (على بلدي المحبوب وديني)

في أوائل العام 1953 إكتسح السنباطي مصر كلها بلحنه الشعبي (على بلدي المحبوب وديني) وصارت الأغنية على كل فم ولسان, وحلقت طويلاً وطويلاً , بفضل اللحن الشعبي البسيط الصادق و العميق , وبفضل الأداء الممتع الذي أداه عبده السروجي قبل أن تؤديه ثانية أم كلثوم , وتسجله على أسطوانات لشركة أوديون , فما قصة هذه الأغنية , ولماذا غناها عبده السروجي قبل أم كلثوم؟!

إذا ألقينا نظرة على ألحان السنباطي في تلك الفترة من حياته , نجدها تائهة تفتقر إلى الشخصية الفنية , بإستثناء الألحان الدينية التي أعطى , ومونولوج النوم يداعب ..... كان كغيره من الملحنين الذين يبدؤون حياتهم عادة بتقليد الكبار , غير أننا لا نعرف له لحناً واحداً نحى فيه منحى سيد درويش في التلحين , أو نهج أبي العلاء محمد في القصيدة . صحيح أنه تأثر بمحمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب في بعض أعمالهما , ولكنه لم يخضع طويلاً لهذا التأثير الذي لم يكن من القوة كي يطبع أعماله بطابعهما , وإن لمس فيه التجديد الذي يتوق إليه , ودلّه في الوقت نفسه على الطريق التي يجب أن يسلكها وعلى الأسلوب الحديث الذي عليه أن ينتهجه . وبصورة عامة فإن شخصية السنباطي لم تتبلور فنياً ولم تتخذ مساراً واضحاً إلا بعد العام 1933 , وهو العام الذي تم فيه لقاؤه بأم كلثوم . ويمكن القول أن التأثير الذي خضع له في مجمل أعماله التي سبقت (النوم يداعب) على الرغم من التأثيرات الوافدة التي نوهنا بها كانت من أعمال أبيه الشيخ محمد السنباطي , وخاصة الأغاني الخفيفة , التي وجدنا لها مشابهاً في أعمال أبيه , كما ذكر هو بالذات , فإذا أضفنا إلى هذا إلتزامه منذ بداية حياته الفنية كهاو في المنصورة ثم كمحترف , لوجدنا أن (ليتو باروخ) وكيل شركة أوديون للأسطوانات هو الذي إتصل به , وهو الذي طلب إليه أن يلحن لعبد الغني السيد , وأحمد عبد القادر , ومحمد الصادق و نجاة علي و من ثم توسعت رقعة إتصالاته , عندما طلبت نادرة الشامية ومنيرة المهدية وفتحية أحمد , أن يلحن لهن . وكان الرجل الديناميكي الذي يقف وراء كل هذا هو (ليتو باروخ) الذي إكتشف مبكراً موهبته , أو لنقل مدحت عاصم الذي أرشد باروخ ودلّه على موهبة السنباطي . وكما لجأ المطربون و المطربات إليه يلتمسون ألحانه , لجأت إليه أيضاً أم كلثوم .

فيلم وداد

ويمكن القول إن البداية (ولادة أغنية على بلدي المحبوب وديني) بدأت منذ أن قام بنك مصر بتأسيس ستوديو مصر للسينما في العام 1934 , فأراد أن يستهل إنتاجه بفيلم تاريخي ضخم تكون بطلته أم كلثوم . فعهد إلى الشاعر أحمد رامي بتأليف القصة وأغاني الفيلم , وإلى المخرج الألماني (فريتز كرامب) بالإخراج , على أن يساعده في ذلك المخرج الشاب القادم حديثاً من باريس (أحمد بدلاخان).

وهكذا ولدت قصة (وداد) التي تجري حوادثها في عصر المماليك , لتغدو فيلماً و ليلعب دور البطولة فيه إلى جانب أم كلثوم الممثل القدير أحمد علام , أما أغاني الفيلم فقد عهد بتلحينها إلى القصبجي و زكريا و السنباطي. وزيادة في الإيضاح فإن أستوديو مصر إتفق مع أم كلثوم على أجر محدد لقاء التمثيل و الغناء , وإتفق مع كل الفنيين الآخرين عن طريق المشرف على الإنتاج , الأستاذ أحمد سالم الذي غدا فيما بعد نجماً سينمائياً معروفاً , كما إتفقت مع شركة أوديون على تسجيل صوت الفيلم وأغانيه في أستديوهاتها , ولما كانت أم كلثوم تعتمد على زكريا و القصبجي في تلحين أغانيها , ومازالت مشككة في قدرة السنباطي في التلحين لها , برغم نجاحها الكبير في (النوم يداعب) فقد تم الإتفاق على أن يلحن السنباطي أغنيتين فقط ,هما : نشيد (حيوا الربيع) و (على بلدي المحبوب وديني) , وبالرجوع إلى حديث لرياض السنباطي حول أغنية (على بلدي المحبوب) أذيع ضمن لقاء طويل مدته ساعة من الزمن من إذاعة القاهرة في العام 1977 قال مايلي :

"جاءني المرحوم أحمد سالم ومعه كلمات أغنية (على بلدي المحبوب وديني) لأحمد رامي , معتذراً بأنها الأغنية الوحيدة التي سألحنها في الفيلم .. فيلم وداد ... وبعد أيام أنهيت تلحينها , وسلمتها لأحمد سالم , ليعود إلي في اليوم التالي ليقول أن اللحن لم ينل الرضى , ولم يحظ بقبول أم كلثوم . وطلب إلي أن ألحنه ثانية , فرفضت , وإن زرع قول أم كلثوم الذوّاّقة الشك في مقدرتي .. فطلبت منه أن يكلف ملحناً آخر بتلحينها, وأعلمته بأني سأعطي اللحن لعبده السروجي ....

ويتابع السنباطي فيقول : الذي حدث هو إفتتان (باروخ) باللحن , فسجله بصوت عبده السروجي , وقبل أن ينتهي الفيلم ظهرت الأغنية ونجحت نجاحاً شعبياً كبيراً , وزادها نجاحاً على نجاح ظهورها ثانية في فيلم وداد بصوت أم كلثوم وعبده السروجي الذي قام بدور ثانوي في الفيلم المذكور , غنى فيه مذهب الأغنية فقط بينما غنت أم كلثوم الأغصان ...
ويستمر السنباطي في سرد ذكرياته عن هذه الأغنية قائلاً : بعد نجاح الأغنية وإقبال الناس عليها , طلبت أم كلثوم أن تسجلها بصوتها لحساب شركة أوديون , فإشترطت إرضاء عبده السروجي أولاً , وتم ذلك . وظهر لحني الثاني اللي هو (على بلدي المحبوب) بصوت أم كلثوم في أسطوانة أوديون كأغنية من أغاني الفيلم.

إن هذه الأغنية لم تنل إعجاب أم كلثوم عندما إستمعت إليها لأول مرة سجلت مبيعاتها عند ظهورها رقماً بصوتها خيالياً , إذ بلغ ربح الشركة منها 18 ألف جنيه . وبالعودة إلى ماذكره السنباطي في الحوار مع مجلة المجلة (12) يتبين لنا من قوله :

" ... ثم لحنت أغنية إشتهرت بعد ذلك وهي (على بلدي المحبوب وديني) ".
(12) راجع مجلة المجلة العدد 85 , أكتوبر 1981

إنه لحن لها هذه الأغنية خاصة , وهو صادق في ذلك , غير أن أم كلثوم لم تعجب باللحن في بداية الأمر , فغناه عوضاً عنها عبده السروجي , وهذا ما جعله يروي الواقعة كاملة في حديثه الإذاعي , وإكتفى بحديثه لمجلة المجلة بذكر الأغنية على أنها لحنه الثاني لأم كلثوم .

مايعنينا في هذا كله الأغنية نفسها, التي حملت الشيء الكثير من تأثيرات الأجواء المصرية الحميمة , ومن تأثيرات لحنه الشهير (لونغا رياض) على الرغم من إختلاف اللحنين في المقام والطابع اللحني , فــ (لونغا رياض) هي من مقام النهوند كما أسلفنا و أغنية (على بلدي المحبوب) من مقام البياتي .

لقد غدت هذه الأغنية , أغنية جماهيرية , فإجتاحت الوطن العربي من أقصاه لأقصاه لتغدو بسبب تحديها الدائم لعاديات الزمن الفنية و غير الفنية أغنية تراثية فلكلورية, إذ ما زال الناس يتعايشون معها في كل المناسبات , برغم مرور نصف قرن على ولادتها , وبذلك فرضوا ديمومتها, لتظل شاهداً على العطاء الفني السخي , وعلى عظمة هذا العطاء , وفيما يلي نورد نص الأغنية التي نظمها أحمد رامي .

المذهب

على بلدي المحبوب ودينـي زاد وجدي والبعد كاوينــي

غصن

يامسافر على بحر النــــــيل أنا لي في مصر خليـــــــل
من بعده ما بنام الليــــــــــل على بلدي المحبوب وديني

المذهب

على بلدي المحبوب وديني زاد بعدي و الشوق كاويني

غ&#